جبل عامل - الجزء الثاني

From The Arcs Network
Jump to: navigation, search

<sidebar>

  • إسلاميات
    • محمّد|محمّد
    • منافع الأحجار الكريمة|منافع الأحجار الكريمة
    • Talk:ماشاءالله|العين والحسد
  • سياسة
    • مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو | محمد علي الجوزو
  • إرهاب
    • الجمهوريةالإسلامية|الجمهورية الإسلامية
    • حزب الله|حزب الله
    • حسن نصرالله|حسن نصرالله
    • راغب حرب|راغب حرب
    • السيد محمد علي الحسيني|محمد علي الحسيني
  • مقالات متفرقة
    • Category: مقالات عربية|الفهرس
    • Category:مقالات مميّزة|مقالات عربية مميّزة
    • اميركا|اميركا
    • الفرس|الفرس
    • سيراليون|سيراليون
    • مخابرات|مخابرات
    • مكافحةالإرهاب|مكافحة الإرهاب
    • المحكمة الدولية|المحكمة الدولية
    • الشيطان الأكبر|الشيطان الأكبر
    • يوم القدس|يوم القدس
    • الموساد|الموساد
    • أسلحة|أسلحة
    • الفضيحة|الفضيحة

</sidebar>

وصايا الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين

وصايا الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين

[ هذا الكتاب هو من أواخر ما تحدث به الشيخ مهدي شمس الدين ، الرئيس الأسبق للمجلس الشيعي الأعلى في لبنان ، وهو يوصي فيه اتباعه و شيعة لبنان عامة بالسير على نهجه ونهج موسي الصدر من قبله والمخالف لنهج "حزب الله" الذي يسير في الفلك الإيراني، أحببنا نشر الكتاب بكامله بدلاً من عرضه لصغر حجمه وأهميته في هذه المرحلة.

أصل الكتاب أحاديث شفوية لشمس الدين وهو على سرير المستشفي في باريس ، سجلها له ابنه إبراهيم ومن ثم قام بتفريغها ونشرها ونص إبراهيم شمس الدين علي أن : " بعض المواضع من التسجيل، هناك انقطاع كامل أو شبه كامل لصوت الإمام، إما بدخول صوت أقوى من صوته التقطه الجهاز، وإما نتيجة اضطراب في تشغيل مفاتيح الآلة. وقد أشرنا بوضوح إلى مواضع الفراغ في النص، إذ وضعنا الكلمات أو العبارات القليلة المضافة بين معقوفين (هكذا: [ ])؛ وهي إضافات يقتضيها اتصال السياق ".

ونشرنا لها لا يقتضي الموافقة على كل ما جاء فيها . الراصد ]

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

نبدأ في هذه الليلة، في الساعة الرابعة وعشر دقائق من سحر ليلة الإثنين، الخامس والعشرين من شهر كانون الأول لسنة 2000 ميلادية، وهو سحر ليلة الاثنين في التاسع والعشرين من شهر رمضان المبارك لسنة 1421 هجرية، وأنا في باريس، في منزل الأخ المحسن النبيل محمد مهدي التاجر، أتلقى العلاج من داء السّرطان وأسأل الله أن يجعله ناجعاً وشافياً...

أبدأ بإملاء هذه الوصايا السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية، لعل الله يجعل فيها نفعاً للناس عامة، وللمسلمين خاصة، ولخصوص أتباع خط "أهل البيت" بوجه خاص.

إلى عموم الشيعة في مختلف الأوطان

وأبدأ هذه الوصايا بوصيتي إلى عموم الشيعة:

أوصي أبنائي إخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تميز خاص، وان لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم، لأن المبدأ الأساس في الإسلام ـ وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت المعصومون عليهم السلام ـ هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز.

وأوصيهم بألاً ينجروا وألاً يندفعوا وراء كل دعوةٍ تريد أن تميزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات.

إن هذه الدعوات كانت ولا تزال شراً مطلقاً، عادت على الشيعة بأسوأ الظروف الشيعة يحسنون ظروف حياتهم ومشاركتهم في مجتمعهم عن طريق اندماجهم في الاجتماع الوطني العام، والاجتماع الإسلامي العام، والاجتماع القومي العام، ولا يجوز ولا يصح أن يحاولوا ـ حتى أمام ظلم الأنظمة ـ أن يقوموا بأنفسهم وحدهم بمعزل عن قوى أقوامهم بمشاريع خاصة للتصحيح والتقويم، لأن هذا يعود عليهم بالضرر ولا يعود على المجتمع بأي نفع. وقد جرت سيرة وسنة أهل البيت (عليهم السلام) على هذا النهج، ووصايا الإمام الباقر والإمام الصادق وغيرهما من الأئمة (عليهم السلام) هي على هذا النهج.

فقد ظهرت في العقدين أو العقود الأخيرة من السنين ظاهرة في دائرة الشيعة العرب بشكل خاص، وبدائرة الشيعة بوجه عام، وهي إنشاء تكتلات حزبية سياسية بوجه خاص لغرض المطالبة بحقوق الشيعة، أو إظهار شخصية الشيعة، أو الدفاع عن حقوق الشيعة.

وهذه التكوينات ـ بحسب رصدنا لما آلت إليه ـ لم تؤد إلى أية نتيجة تذكر، بل أدت إلى كثير من الأزمات، وعمّقت الخوف والحذر وسوء الظن والتربص في أنفس بقية المسلمين في المجتمع من خصوص طائفة الشيعة، وسعت نحو عزلهم بشكل أو بآخر عن الحياة العامة وعن التفاعل مع نظام المصالح العامة.

هذه التكوينات ـ تارة يراد لها أن تكون تكوينات ثقافية محضة، وهنا يجب ألاّ يغلب عليها طابع المذهبية التمايزية، وإنما يجب أن تنطلق من رؤية وحدوية إلى الأمة، تعتمد على الجوامع المشتركة ـ وما أكثرها ـ التي تجمع المسلمين فيما بينهم ولا تركز على خصوصيات التمايز وعلى خصوصيات التباين... وإما أن تكون تجمعات سياسية أو اقتصادية وهذا أمر لا يجوز في نظرنا أن يتم بوجه من الوجوه على الإطلاق.

وقد ثبت بالتجربة أن التجمعات الشيعية المعاصرة، من قبيل "حزب الدعوة" وغير "حزب الدعوة"، لم تستطع أن تحقق لنفسها بعداً إسلامياً داخل الطوائف والمذاهب الأخرى، وإنما حققت في أحسن الأحوال تعايشاً هشاً مشوباً بالشك والحذر.

وهنا قد تثار في هذه الحالة التجربة اللبنانية التي تميزت منذ نهضة الإمام السيد موسى الصدر، وهذا ما سنعرض له فيما يلي:

تجربة الشيعة اللبنانيين

بسم الله الرحمن الرحيم

نتابع تسجيل هذه الوصايا في باريس ليلة عيد الفطر المبارك.

سنعرض لتجربة الشيعة اللبنانيين باعتبارهم نموذجاً للنجاح الوحيد الذي تحقق في العصر الحديث لتصحيح وضع الشيعة في مجتمع متنوع.

كان الشيعة اللبنانيون طوال العهد العثماني فئة مهمَشة عن المجتمع بالكامل، ليست لها أية مشاركة في أي قرار من قرارات الاجتماع، كانت معزولة في مناطقها، خاصة في منطقة جبل عامل واستمرت على هذه الحالة إلى أن جاء الانتداب الفرنسي وأعيد تكوين دولة لبنان في سنة 1921.

في هذه المرحلة بدأت تتكون للشيعة شخصية معنوية في الاجتماع اللبناني، ولكنها كانت شخصية شبحية لا دور لها يذكر في القرار العام، سواء كان سياسياً أو تنظيمياً أو إدارياً أو تنموياً، على الإطلاق ـ على الظاهر ـ كما لم يكن لها تمثيل يذكر في تشكيلات الدولة اللبنانية في ذلك الحين. ولكن الأمر تغير نوعاً ما بعد إعلان الاستقلال، حيث حصل الشيعة على مزيد من المكاسب في تنظيم الدولة، وفي تشكيل الإدارة، وفي الميزانية العامة، وفي المجلس النيابي، فأصبحت لهم شخصية سياسية ومعنوية قائمة على نظام الطوائف المعمول به في لبنان.

إلا أن هذا الحضور المميز، والذي مثّل نقلة نوعية كبيرة في حضور الشيعة في الحياة العامة في لبنان وفي تشكيل الاجتماع اللبناني، كان لا يزال ناقصاً نقصاً فادحاً. لقد كان هناك حضور نيابي في مستوى أقل من المستوى المطلوب، وكان هناك حضور في الإدارة أيضاً، ولكن لم يكن هناك أي حضور يذكر في القرار السياسي.

كان القرار السياسي والقرار التنموي يتخذان بمعزل عن الشيعة وعن ممثليهم، ولذلك ولدت حالتان من الحرمان: الحرمان التنموي، حيث بقيت مناطق الشيعة مهملة من دون تنمية، وتعيش حياة بدائية وشظفة محرومة من جميع وسائل الحياة الحديثة، وكان هناك أيضاً حرمان في الحضور الإداري، فلم يكن للشيعة أي موقع يذكر في إدارة شؤون الدولة على الإطلاق، سوى رئاسة مجلس النواب التي لم يكن لها دور يذكر في اتخاذ القرارت، إذ أن القرارات التي تتخذ في مجلس النواب كانت تتبلور بين القوتين المهيمنتين على النظام السياسي، وهما بالدرجة الأولى قوة رئيس الجمهورية، وبالدرجة الثانية قوة رئيس الوزراء، وقد جرت الحال على هذا المنوال.

وحصلت في هذه الأثناء نهضة جانبية في مجال التعليم، فانخرط الشيعة إلى حد كبير في المدارس، وتكونت منهم شيئاً فشيئاً نخبة متعلمة ومتطلعة.

ونتيجة لجميع هذه التطورات أيضاً، حصلت هجرة شيعية من الأرياف إلى المدن، وخاصة في بيروت، وبدأت تتكون نواة صغيرة لما يمكن تسميته بورجوازية شيعية، وطبقة مكتفية من الشيعة، إلى جانب الفئة المتعلمة التي تخرجت من الكليات وبعض الجامعات.

هذه الفئة بدأت تتحسس أحوالها، وتتلمس الدنيا من حولها، وترى ما هي فيه من حرمان وما عليه الشيعة عموماً من حرمان. هذه الفئة (رأت أنه يمكن أن تحقق لنفسها مواقع) ليس في التكتل الداخلي، وليس في التماس السبل لتكوين القوة الذاتية المجتمعية التي تندمج وتتفاعل مع قوى المجتمع، وإنما وجدت أو رأت أنه يمكن أن تحقق لنفسها مواقع من خلال الخروج عن دائرة المذهبية، والانخراط في التيارات الحزبية العلمانية الجديدة.

لم تكن بدايات التحسس الشيعي إذاً شيعية، وإنما كانت علمانية ومتأثرة باليسار. فانخرط الشيعة المتعلمون في الأحزاب العلمانية (غالباً في الحزب الشيوعي، والاشتراكي، والقومي السوري الاجتماعي) حتى أن قسماً منهم انخرط في الأحزاب المسيحية الطائفية، من قبيل "حزب الأحرار" و "حزب الكتائب"، وانخرطت نخبة منهم في الأحزاب القومية الكبرى.

إذن، خروج الشيعة في نخبتهم إلى الفكر الحديث وإلى الحياة الحديثة، وإلى محاولة الخروج من دائرة الحرمان، لم يكن على قاعدة التشيّع وإنما كان على قاعدة الحداثة. ولم يفكر أحد ـ إلا قليلاً في ما أعلم ـ أن يعيد تكوين الشيعة، ويعيد دمجهم إلى شيعيتهم من جهة، وتصحيح انتماء هذه الشيعة إلى الوطن، والمجتمع الوطني من جهة أخرى.

وبدأت ترتفع شيئاً فشيئاً نظرة تطلقها تارة شخصيات شيعية مرموقة، وتارة تطلقها جماعات أو جمعيات تشكلت على هامش التكوينات السياسية القومية واليسارية من جهة أخرى، تطرح شعار حقوق الطائفة الشيعية: حقوقها في المجال السياسي، وحقوقها في المجال التنموي. وبدأت تنشأ حركة مطلبية في هذا المجال، فانخرط فيها كثيرون.

في هذا الجو، جاء الإمام السيد موسى الصدر، وولدت بالتدريج فكرة "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى".

هذا المجلس ولدت فكرته انطلاقاً من جملة من المعطيات القائمة في الاجتماع اللبناني. أولاً كونه يمثل صيغة من الصيغ الشائعة بين الطوائف اللبنانية، حيث أن لكل طائفة هيئة تنظيمية تهتم بشؤونها الداخلية. هذه هي الفكرة التلقائية. الفكرة الثانية، المعطى الثاني، هو هذا التحسس الذي كان يعمر قلوب النخبة الشيعية والشباب الشيعي في لبنان، وشعورهم بالهامشية، وشعورهم بالدونية، وشعورهم بالحرمان، وعدم ثقتهم بأن الأحزاب العلمانية قادرة على أن تغير شيئاً من واقعهم. فولدت فكرة إعادة الاعتبار إلى الشيعة اللبنانيين سياسياً وتنموياً واجتماعياً، عن طريق التأكيد على هويتهم الخاصة المنفتحة على الهويات الأخرى المكونة للاجتماع اللبناني وليس المنعزلة والمتباينة عن الاجتماع اللبناني. فكان هناك واقع تنظيمي يقتضي بروز هذا المجلس لاظهار شخصية الشيعة ونيل حقوقهم في النظام السياسي.

وهذه التجربة في لبنان (تجربة المجالس الملِّية) لعلها تجربة فريدة من نوعها في العالم الإسلامي، إذ إن طبيعة تكوين الاجتماع اللبناني، من مجموعات من الطوائف والمذاهب الدينية، هي التي اقتضت ذلك نتيجة لتنظيمات العهد العثماني التي شكلت الاجتماع العثماني غير السني، الاجتماع العثماني الذي ينضوي فيه غير المسلمين ـ شكّلتهم في مجموعات طائفية.

ردود الفعل:

أمام فكرة المجلس، حصلت ردود فعل من نوعين:

ردود فعل سلبية، وهذه مثلتها النخبة الشيعية التي كانت مهيمنة في ذلك الحين وفقاً لصيغة 1943، والتي رأت في هذا المجلس منافساً لها على تولي شؤون الشيعة، وعلى النظر في أمورهم، وعلى التحكم في المناصب والمواقع التي يستحقها الشيعة في النظام اللبناني. كانت ردود فعل سلبية حادة، وقادتها النخبة السياسية التي كانت على رأس السلطة، وفي مقدمتها رئاسة المجلس النيابي.

وكان هناك (ردود فعل إيجابية) من نُخب دافعت عن إنصاف الشيعة وعن إعادة الاعتبار إليهم، وهذه النُخب التقت حول فكرة "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" وحول الإمام السيد موسى الصدر ومن كان يتعاون معه ـ التفَت حولهم في سبيل دعم هذا التوجه. وهذه الفئة (مثلت قطاعا) كبيراً من القاعدة الشعبية التي كانت تحس بالحرمان، ولكنها لا تملك الوسيلة المناسبة لمقاومته.

وكانت هناك ردود فعلٍ سلبية من نوع آخر، من قبل القوى السياسية العلمانية، من قبل اليسار، ومن قبل الخط القومي الذي كان يرى في هذه الحركة طائفية يراد منها ترسيخ الكيان الطائفي والمفهوم الطائفي في النظام اللبناني، مقابل عملهم ـ فيما يزعمون ـ على إخراج لبنان من الحالة الطائفية.

كانت هناك ردود فعل متحفظة ـ على الظاهر ـ من الطائفة السنية وغيرها من الطوائف الأخرى، باعتبار أن تكوين هذا المجلس ـ على القاعدة التي أريد له أن يتكون عليها ـ يخلق منافساً على مضان النظام، وعلى فوائد النظام، وعلى مواقع النظام.

وكانت هناك فئة ـ قليلة لعله أو كثيرة ـ في الوسط المسيحي تدرك ضرورة انطلاق هذه القوة لتحقق مبدأ التوازن. كان يلاحظ أنه لابد أن يكون هناك مبدأ توازن، وكان هناك حلم لعلًه إنشاء تحالف شيعي ماروني، ولعلَ هذا كان من السياسات الخفية للانتداب الفرنسي... فشجعت هذه الفئة على نمو هذه الفكرة وعلى مأسستها وعلى إعطائها الدعم الكافي.

هذه هي ردود الفعل التي صاحبت ورافقت انطلاق فكرة "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" والتي بلورت أخيراً في الشكل التنظيمي الذي أقر من قبل الدولة بموجب القانون في أيام الرئيس شارل الحلو.

لقد أنشئ "المجلس" ليكون إطاراً تنظيمياً جامعاً يجمع كل القوى الحية المتحركة المكونة للجماعة الشيعية، وقد أنشئ وأعلن وسط فرحة شعبية عارمة، وخلق آمالاً كبيرة جعلت الشيعة يشعرون بأن أداتهم السياسية في الاجتماع اللبناني قد اكتملت، وأنها ستخلق حالة التغيير على جميع المستويات. ولكن الواقع كان على خلاف ذلك.

أولاً، حصل خطأ، في نظرنا (وهذه نقطة مطروحة في وصاياي لأجل إعادة النظر فيها)، وهو إدخال الجسم النيابي الشيعي للمجلس النيابي ـ إدخال أعضائه أعضاءً حكميين ومن غير انتخاب في جسم "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" إلى جانب هيئتيه الشرعية والتنفيذية المنتخبتين من الهيئة العامة. إن إدخال النواب الشيعة أعضاء حُكميين أدخل جميع انقسامات الشيعة الداخلية، بسبب تحالفات فئاتهم مع الأحزاب والطوائف الأخرى، في صميم المجلس. ومن هنا فقد ولد المجلس من أول الأمر إما أن يكون مشلولاً في اتخاذ القرارات، وإما أن يأخذ قرارات هامشية لا تقدم ولا تؤخر، وأما أن يعتمد على مبدأ الإجماع.

قلّما أتخذت قرارات جذرية في "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" وبعدما أتخذت فقلما كانت لها فاعلية تذكر على مستوى التنفيذ. هذه الأمور كلها بينت أن الآمال ليست بمحلها. هذا إلى جانب أمر آخر، وهو أنه على مستوى الهيئة التنفيذية لم يعتبر المجلس أداة إدارية وتنظيمية بقدر ما اعتبر منصة سياسية لكثير من الطامحين الذين يأملون بالحصول على مناصب سياسية، وهذا طبعاً أدى إلى شلل إضافي في قدرة المجلس على التعامل مع الدولة ومع النظام السياسي، ومع القوى السياسية، إذ أن أي قرار يتخذه المجلس وتحاول الجهات (التي هي من داخل المجلس، سواء من الجسم النيابي أو من الجسم المنتخب) تحول دون ذلك نتيجة للطموحات الخاصة التي يسعى البعض للحصول عليها من خلال انتمائه إلى المجلس.

تبين أن الآمال ليست في محلها، وأن المجلس يواجه صعوبات وبقيت المعادلة زمناً طويلاً كما هي إلى أن أضطر المجلس إلى أن يخوض صراعاً مفتوحاً مع القوة السياسية المهيمنة وأن يحشد الطبقات الشعبية. وحصلت المواجهة الكبرى بين الجسم السياسي الرسمي الموجود في النظام، وبين الجمهور السياسي الذي يمثله "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى"، وتزامن ذلك مع بدء المشاكل السياسية التي نشأت بين لبنان وبين الفلسطينيين والقوى اليسارية التي تحالفت مع الفلسطينيين.

هذه التناقضات وهذه التجاذبات الداخلية التي أحاطت بالمجلس شلته عن العمل شللاً نهائياً. فلم تعد هناك قوة سياسية للمجلس تستطيع أن تمارس أي شكل من أشكال الضغط، لأن القوى السياسية النيابية في المجلس تهمشت وتوزعت على ولاءاتها الخاصة، والقوة المنتخبة من المدنيين لم يكن لها حول يذكر ولا تأثير يذكر على القاعدة الشعبية بحكم عدم انتماء بعضها إلى القوى السياسية، وانتماء بعضها الآخر إلى القوى السياسية.

وهذه نقطة فاتني أن أذكرها، وهي أن الهيئة المنتخبة المدنية كانت تتمثل فيها القوى الحزبية اليسارية السائدة. فالأحزاب السياسية العلمانية تسللت إلى الهيئة المنتخبة، وكان لها ممثلون، وكانت تساهم أيضاً في شرذمة الموقف وفي بلبلة الآراء، لأن لكل حزب رؤية معينة كان ممثلوه يحاولون أن يعبروا عنها في المجلس.

فكانت في داخل المجلس قوتان مفرِّقتان: إحداهما قوة النواب، والأخرى قوة الأحزاب. وفي ما عدا ذلك لم يكن للهيئة الشرعية دور يذكر في القرارات التنفيذية الخارجة عن دائرة الشؤون الشرعية الخاصة التي تتعلق بشؤون القضاء والإفتاء وما إلى ذلك. فكانت هذه الترتيبات وهذه التركيبات سبباً في شلل المجلس في هذا الظرف الحرج والخطر الذي بدأ يدخل فيه لبنان منذ أوائل السبعينيات، منذ سنة 1973، في بداية الصدامات بين الفلسطينيين وبين الدولة اللبنانية ممثلة بالجيش وبالإدارة.

إن التطورات التي نشأت نتيجة للفتنة في لبنان، وتكوين التنظيمات والميليشيات المسلحة والحرب الأهلية، أخرجت المجلس من الحياة الفاعلة اليومية في المجال السياسي. لم يعد هناك للمؤسسة دور سياسي. انحصر الدور السياسي برئاسة المجلس وتحديداً بالإمام السيد موسى الصدر. وأعتقد أنه أدرك، كما أدركتُ، أن هذه المؤسسة الأهلية المدنية للمسلمين الشيعة، في الظروف التي نشأت، لم تعد ذات فاعلية تذكر في تكييف الرأي العام، وفي التأثير على القرارات وعلى الاتجاهات العامة. نعم، بقي شعار حقوق الطائفة سائداً، ولكن دون جدوى تذكر.

وفي هذه المرحلة اتجه الإمام موسى الصدر، واتجه العمل العام، نحو القضايا اللبنانية والعربية العامة: القضية الفلسطينية والمقاومة من جهة، وإصلاح النظام السياسي برمته من جهة أخرى. وانخرط المجلس، إلى جانب الحركة المطلبية الشيعية، في الحركة المطلبية اللبنانية العامة: إصلاح النظام السياسي كما قلنا، قضية عروبة لبنان، وعلاقات لبنان العربية، ومسؤولية لبنان عن تحرير فلسطين، وما إلى ذلك، وقضايا الحريات والديموقراطية والتمثيل وصحة التمثيل، وكل الشعارات التي كانت تتداول، ومن أهمها شأنا كان (شعار) إلغاء نظام الطائفية السياسية.

وانشغل، الإمام موسى وأنا وبعض الأخوة الخواص في مكتب المجلس، بوضع صيغ إصلاحية للنظام السياسي، ووضعت عدة صيغ كان أبرزها وأنضجها صيغة ما نسميه "صيغة 1977" التي أرسينا فيها المبدأ الأساس والأهم ـ فيما أعتقد ـ في تاريخ لبنان السياسي، وهو أن "لبنان وطن نهائي لجميع بنيه" لقطع دابر أية مخاوف مسيحية من قضايا الذوبان والاندماج.

هذا المبدأ هو من المبادئ التي يدين بها لبنان وشعب لبنان للفكر اللبناني الشيعي ولمؤسسة "المجلس الإسلامي الأعلى". والحقيقة أن هذا المبدأ وضع ليس فقط استجابة وترضية للمسيحيين، بل كان ضرورة فيما نعي ـ ولا أزال أعتقد بذلك إلى الآن ـ ضرورة للاجتماع اللبناني ولبقاء كيان لبنان، ليس لمصلحة لبنان وشعبه فقط، وإنما لمصلحة العالم العربي في كثير من الأبعاد، حتى لمصلحة جوانب كثيرة من العالم الإسلامي، ونحن نمر في حقبة تاريخية مفصلية تتعلق بقضايا التنوع والتعددية السياسية وما إلى ذلك، بالإضافة إلى النظر إلى ضرورة وجود وفاعلية المسيحيين في لبنان.

الفاعلية المسيحية في لبنان والشرق

من الوصايا الأساسية التي أركز عليها بالنسبة إلى المسلمين اللبنانيين، بالنسبة إلى العرب جميعاً، هي الحرص الكامل التام على ضرورة وجود وفاعلية المسيحيين في لبنان، وعلى تكاملهم وعلى شعورهم بالانتماء الكامل والرضى الكامل، وعلى عدم أي شعور بالإحباط، أو بالحرمان، أو بالنقص، أو بالانتقاص، أو بالخوف على المستقبل، وما إلى ذلك. وهذه الرؤية ليست قائمة على المجاملة وعلى الحس الإنساني فقط، وإنما هي قائمة على حقائق موضوعية أساسية لا بد من مراعاتها.

وينسحب على هذه القضية التي بدأت تثير قلقاً متزايداً في الأوساط المسيحية العربية والأجنبية، وهي وجود المسيحية في الشرق، وحضور المسيحية في الشرق. وأنا أرى أن من مسؤولية العرب والمسلمين أن يشجعوا كل الوسائل التي تجعل المسيحية في الشرق تستعيد كامل حضورها وفاعليتها ودورها في صنع القرارات، وفي تسيير حركة التاريخ، وأن تكون هناك شراكة كاملة في هذا الشأن بين المسلمين والمسيحيين في كل أوطانهم وفي كل مجتمعاتهم. ومن هنا فإني أشعر بأن المراجع الدينية الإسلامية الكبرى مسؤولة عن هذا الأمر، وأن المراجع الفكرية والتوجيهية في الإعلام وفي الثقافة وغيرهما يجب أن تركز على هذه النقطة بكل ما يمكن من قوة وفاعلية.

موضوع إلغاء الطائفية السياسية في لبنان

هذه وصية بالنسبة إلى موضوع إلغاء الطائفية السياسية وهذا شعار من الشعارات الثابتة في السياسات اللبنانية، وقد تبنيناه، تبناه المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى"، وتبنيناه شخصياً على مدى سنوات طويلة، وعملنا بصيغ متنوعة، بالتعاون مع كثيرين، على بلورة هذا الشعار بمشروع للنظام السياسي في لبنان لا يقوم على مبدأ الطائفية السياسية. وقد وضعت مشروعي الخاص في هذا الشأن، "مشروع الديموقراطية العددية القائمة على مبدأ الشورى".

ولكني تبصرت عميقاً في طبيعة الاجتماع اللبناني، وفي المجموعات المكونة للمجتمع اللبناني، وفي طبيعة النظام البرلماني، النظام الديموقراطي البرلماني، الذي يتميز بخصوصيات معينة نتيجة للتنوع الطائفي... وتبصرت عميقاً في تفاعلات الفتنة اللبنانية، وفي خفايا ما تحمله في ثناياها أفكار القيادات في هذه الطوائف، سواء أكانت قيادات سياسية أو قيادات دينية أو قيادات ثقافية، على تفاوت ما بين هنا وهناك...

تبين لي أن إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، يحمل مغامرة كبرى قد تهدد مصير لبنان، أو على الأقل ستهدد استقرار لبنان، وقد تخلق ظروفاً للاستقواء بالخارج من هنا ومن هناك، ولتدخل القوى الأجنبية من هنا ومن هناك.

ولذلك فإني أوصي الشيعة اللبنانيين بوجه خاص، وأتمنى وأوصى جميع اللبنانيين مسلمين ومسيحيين، أن يرفعوا من العمل السياسي، من الفكر السياسي، مشروع إلغاء الطائفية السياسية، لا بمعنى أنه يحرم البحث فيه والسعي إليه، ولكن هو من المهمات المستقبلية البعيدة، وقد يحتاج إلى عشرات السنين لينضج بحسب نضج تطور الاجتماع اللبناني وتطورات المحيط العربي بلبنان.

أوصي بالثبات والالتزام بنظام الطائفية السياسية، مع إصلاحه. وأعتقد أن صيغة "الطائف" هي صيغة نموذجية في هذا الشأن، والنظام السياسي اللبناني الذي بني عليها هو نظام سليم، لولا ما شابه من بعض الأخطاء سواء في صياغة "وثيقة الطائف"، في صياغة "اتفاق الطائف" وما تفرع عنه، أو في مجال التطبيق.

نحتاج إلى جهد وطني مخلص للنظر في العيوب والثغرات الموجودة في نظامنا الطائفي القائم على "اتفاق الطائف"، والذي تقوم الدولة القائمة الآن عليه. نحتاج إلى تبصر عميق في اكتشاف هذه الأخطاء، وإصلاحها، وإبقاء الباب مفتوحاً لتدارك كل خطأ.

أعتقد أننا بهذا سنحقق للبنان استقراراً وإمكانات كبرى للاندماج الاجتماعي، وللثقة المتبادلة بين مجموعاته، ولتسريع حركة النمو والتقدم.

وأعتقد أن لبنان بهذا سيبقى منارة ونموذجاً لكل المجتمعات الأخرى التي تتميز بالتنوع الشديد، إذا وجد مجتمع من هذا القبيل في لبنان.

عودة إلى توصية الشيعة في جميع أوطانهم

في هذا الصدد، وإذ أوصي الشيعة اللبنانيين بالخصوص في لبنان، وأوصي المسلمين جميعاً شيعة وسنة بهذا الخصوص في لبنان، فإن وصيتي الثابتة للشيعة العرب في كل وطن من أوطانهم، وللشيعة غير العرب خارج إيران (إيران هي دولة قائمة بنفسها)... أوصي الشيعة في كل مجتمع من مجتمعاتهم، وفي كل قوم من أقوامهم، وفي كل دولة من دولهم، ألا يفكروا بالحس السياسي المذهبي أبداً، وألا يبنوا علاقاتهم مع أقوامهم ومع مجتمعاتهم على أساس التمايز الطائفي وعلى أساس الحقوق السياسية والمذهبية.

المطلوب من الأنظمة التي تضم مجموعات متنوعة أن تعترف بالهوية الدينية والمذهبية لكل مجموعة من المجموعات.

وأما بالنسبة إلى الموضوع السياسي، فأكرر وصيتي الملحة بأن يتجنب الشيعة في كل وطن من أوطانهم شعار حقوق الطائفة والمطالبة بحصص في النظام.

وأوصيهم وصية مؤكدة بألا يسعى أي منهم إلى أن ينشئ مشروعاً خاصاً للشيعة في وطنه ضمن المشروع العام، لا في المجال السياسي أو الاقتصادي أو التنموي. أوصيهم بأن يندمجوا في نظام المصالح العام، وفي النظام الوطني العام، وأن يكونوا متساوين في ولائهم للنظام، والقانون، وللاستقرار، وللسلطات العامة المحترمة.

تُرتكب مظالم بطبيعة الحال من بعض الأنظمة في حق فئات الشيعة. هذه المظالم يجب أن تدار وتساس بحكمة. لا أوافق ولا أرجح أن تقوم حركات احتجاجية شيعية محضة. كل حركة سياسية احتجاجية أو مطلبية للشيعة تكون محقة، يجب أن يبحثوا بكل السبل عن أن يكون لهم شركاء فيها من أقوامهم وشعوبهم والجماعات السياسية التي ينتمون إليها. وأكرر وصيتي لهم ألا ينشئوا أية مواجهة أمنية أو سياسية مع أي نظام من الأنظمة.

طبعاً هناك بعض الاستثناءات الشاذة، والتي أبرزها الآن أمام أعيننا استثناء العراق. العراق يعتبر حالة شاذة، والحركة السياسية المطالبية الموجودة فيه ليست في الحقيقة حركة الشيعة، إنما هي حركة الشعب العراقي. ولذلك فإن وصيتي بالنسبة إلى هذا الموضوع لا تشمل العراق.

نعم، أقول للقوى الشيعية العراقية المعارضة التي تبحث عن مخرج، أنه لا يجوز أن تجد مخرجاً شيعياً، أن تبحث عن مخرج شيعي، لأن هذا يضر أكثر مما ينفع. ولا يجوز أن تبحث عن مخرج لا ينسجم مع توجهات المحيط العربي حول العراق، ولا يجوز أن تبحث عن مخرج يتهم الشيعة العراقيين بأنهم ملحقون بدولة أخرى.

لا بد لكل مخرج من المخارج لإصلاح النظام السياسي في العراق، ولإعادة استقرار العراق ولاستعادة دوره، لا بد من أن يتم باتفاق بين الجميع... ويا حبذا، ويا حبذا، ويا حبذا، لو أن الدول العربية الفاعلة تمكنت من أن تكون رؤية بما يشبه "مؤتمر الطائف" الذي عقد من أجل لبنان، ولعل الله إذا مد في الأجل أن يرشدني إلى خير السبل في هذا الشأن للتداول مع بعض القادة الكبار والمسؤولين الكبار من إخواننا الحكام العرب في هذه الفكرة، لعل الله يجعل لنا فرجاً ومخرجاً مما نعانيه، ويفرج عن العراق وشعبه ويحرر العراق من هذه الوصاية ومن هذه الهيمنة الأجنبية الأمريكية التي دمرته، والتي تمتص حياته تحت شعار حصار النظام، بينما الحصار هو للشعب.

عودة إلى موضوع إلغاء الطائفية السياسية في لبنان هذه الوصايا أرجو أن تكون موضع عناية. وأعود فأقول: إني الآن في الوضع الحاضر ـ وقد أعلنت هذا عدة مرات في الإعلام العام ـ إنني لا أوافق على طرح مشروع إلغاء الطائفية السياسية بأي وجه من الوجوه، وأدعو إلى سحب هذا المشروع من التداول، وتركيز الجهود للنظر في العيوب والنواقص التي نعاني منها في نظامنا الطائفي لنصلحها. فالمطلوب هو إصلاح نظام الطائفية السياسية، وليس إلغاء نظام الطائفية السياسية. والصيغة التي تطور إليها نظام الطائفية السياسية نتيجة لاتفاق الطائف، هي صيغة نموذجية في رأيي، ينبغي التركيز على إصلاحها، وعلى تنفيذها تنفيذاً أميناً، لتحقق غاياتها المرجوة منها.

ولا ننسى أن هذه الصيغة التي اعتبرها البعض مؤقتة، ونحن اعتبرناها مؤقتة ـ أعتقد ـ في حينه، حينما أعلن الاتفاق وووجه بمعارضة كبيرة داخل الطائفة الشيعية... أنا رفعت شعار أنه اتفاق الضرورة... والآن أقول: هو ليس اتفاق الضرورة، هو اتفاق الاختيار، وهو اتفاق مناسب لطبيعة لبنان، لأنه يوافق ويحقق جميع الوسائل الممكنة للاستقرار والتقدم والازدهار... والحمد لله رب العالمين.

الأمانة العامة للقمة الروحية اللبنانية من الوصايا المهمة في نظري هي إنجاز "الأمانة العامة للقمة الروحية اللبنانية". وقد سبق في اجتماع "بكركي" الشهير أن اقترحت هذا الاقتراح وقُبلَ بنسبة عالية من إخواننا رؤساء الطوائف في ذلك الاجتماع، لأننا في لبنان ـ على مستوى الطوائف وعلى مستوى المجتمع ـ نواجه نوعين من المشاكل ونوعين من القضايا:

قضايا طائفية داخلية تتصل بالتنظيم الداخلي وبالشؤون الدينية وما إلى ذلك، وهذه من شؤون المؤسسات ولا دخل لمؤسسة في شؤون مؤسسة أخرى.

وهناك القضايا الوطنية العامة، التي لا تختص بطائفة، ولا تختص بمرحلة، وبعضها يتجاوز لبنان هذه القضايا تمس كيان الشعب اللبناني، وتمس مصالح الشعب اللبناني، وتمس كيان الدولة اللبنانية. وفي هذه الحالة، الذي يجري هو أن بعض القيادات الطائفية تتصدى لهذه القضايا بصورة منفردة وبدون مشورة، أو بمستوى من المشورة لا قيمة له. وفي نظرنا أن هذه القضايا الوطنية العامة، حينما يراد لها أن تبحث وتكون مجالاً للحوار على مستوى المجتمع، خارج مؤسسات الدولة، فلا بد من أن تخضع للمشورة بين قيادات المجتمع اللبناني، وفي مقدمتها بطبيعة الحال مؤسسات الطوائف.

من هنا نحن نصر على تشكيل هيئة قانونية معترف بها من قبل المرجعيات الطائفية في لبنان، تكون بمثابة "الأمانة العامة" التي ترصد وتراقب وتواكب التقلبات السياسية العامة ذات الشأن الوطني العام، وتتلقى من مرجعياتها التوجيهات في هذا الشأن، لتكون مجالاً للمراجعة وللمشاورة فيما بينها، وتكون هي وسيلة المشاورة في ما بين القيادات، لأجل تكوين رؤية مشتركة يمكن أن يوجه من خلالها خطاب وطني واحد جامع، أو إذا لم يتسنَّ ذلك يتم الامتناع من اتخاذ مواقف تسبب الانقسام الوطني وتخلق توترات طائفية داخل المجتمع، من دون أن يكون لذلك أية فائدة، كما لاحظنا حصول ذلك في الفترة الأخيرة، حينما أثيرت عدة قضايا، في مقدمتها قضية الوجود السوري في لبنان وما يتعلق به، ومن جملتها قضايا أخرى أيضاً، ما يسمى قضايا حريات، وما إلى ذلك.

هذه الأمور نعتقد أنه لا يصلح أن تنفرد أية قيادة طائفية باتخاذ موقف منها منفرد، أو اتخاذ موقف تفرضه على الرأي العام... والحمد الله رب العالمين.

الأمانة العامة للقمة الروحية الإسلامية

ومما يتصل بهذا الموضوع، "الأمانة العامة" التي شكلناها، "الأمانة العامة للقمة الروحية الإسلامية". لقد تشكلت هذه الأمانة العامة من أشخاص نثق بهم ونعتمد عليهم، ولكن للأسف حتى الآن لم تأخذ دورها اللازم، وأنا أصر في وصيتي على تفعيل دورها وعلى إعطائها شخصية متميزة وفاعلة لتنسيق الأنشطة بين المسلمين...

هذا هو الشريط الأول من الأشرطة التي أسجل عليها وصاياي السياسية العامة، وسأبدأ بالشريط الثاني لتتمة الحديث عن الأمانة العامة والقمة الروحية الإسلامية...

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا هو الشريط الثاني من الأشرطة التي نسجل عليها وصايانا العامة السياسية والاجتماعية وغيرها للشيعة اللبنانيين والعرب ولسائر اللبنانيين، وقد بدأنا بتسجيله في مساء يوم الخميس، الثاني من شهر شوال من سنة 1421هـ اليوم الثامن والعشرين من شهر كانون الأول لسنة 2000م.

ونتابع حديثنا في هذه الوصية عما ختمنا به الشريط الأول، وهو الإلحاح على تفعيل دور ومؤسسة "الأمانة العامة للقمة الروحية الإسلامية في لبنان"، لأنها ضرورة من الضرورات التنظيمية للمسلمين في الشأن الإسلامي الخاص، وفي الشأن الوطني العام.

وأكرر ـ للمرة الثالثة على ما أظن في هذه الوصايا ـ على الشيعة اللبنانيين أن يندمجوا في محيطهم الإسلامي اللبناني اندماجاً كاملاً، وألا يقوموا بأية خطوة تمايزهم عن غيرهم من إخوانهم المسلمين اللبنانيين، وفي نفس الوقت، هذا الاندماج لا يكون على قاعدة طائفية مذهبية، وإنما يكون منسجماً مع الاندماج العام في الوطن، مع الشعب اللبناني كله وعلى قواعد الثوابت الميثاقية اللبناني، التي تؤكد بالدرجة الأولى على أن المسيحية في لبنان جزء مقوم للبنان، كالإسلامية في لبنان، وأن لبنان لا يقوم إلا بالتكامل، وإلا بالعيش الواحد، وليس العيش المشترك فقط... والحمد لله رب العالمين.

الجامعة الإسلامية في لبنان

أسجل هذه الوصية المتعلقة بالجامعة الإسلامية في لبنان، في ليلة السبت، ليلة الثلاثين من كانون الأول سنة 2000 ميلادية، في "باريس"، ونحن في منزل الأخ النبيل الشيخ محمد مهدي التاجر.

كان تأسيس جامعة أهلية من أحلام الشيعة، وقد سعوا إلى تأسيسها منذ أيام الاستعمار البريطاني في الهند، كتعبير عن الذات، وتعبير عن الخصوصية، وفشلت بطبيعة الحال.

المحاولة فشلت، وأعيد أحياؤها مرات عدة كان أبرزها أيام المرحوم السيد محسن الحكيم، المرجع الديني الشهير، حيث تأسست لها هيئات، وجمعت لها أموال، واشتريت أرض كبيرة بين الكوفة والنجف، ووضعت نظمها وأنشئت بعنوان "جامعة الكوفة"، وذلك لتكون رافعة للحضور الشيعي الإسلامي العربي في العراق، ولتكون نافذة على تحديث وتطوير وضع الشيعة العراقيين وغيرهم.

ولكن، وبكل أسف، الأحداث التي عصفت بالعراق، والروح الطائفية التي غلبت على النظام العراقي، أفشلت هذا المشروع في أيام الرئيس عبد السلام عارف، حيث سحبت الإجازة، وصودرت الأموال، وصودرت الأراضي، وماتت الفكرة.

وحينما أسس "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان"، كان من مقاصده إنشاء هذه الجامعة. ولكن الظروف السياسية الأمنية التي مرت بلبنان، والتي أشرنا إلى بعضها فيما مضى، وأدت إلى تهميش "المجلس"، أدت في الوقت نفسه بصورة أكبر إلى تهميش مشروع الجامعة. وفي حينه، أعتقد أن الإمام السيد موسى الصدر قد صرف النظر عن السعي لهذا المشروع، لأنه في نظرة لا يتمتع بالأولوية التي يتمتع بها العمل السياسي والشأن السياسي العام.

وماتت الفكرة، ولكنها بقيت حية في ضميري وفي قلبي، وقد أخذت منى أوقاتاً كثيرة في التفكير، وفي وضع الأطر، أو تصور الأطر، إلى أن حقق الله عز وجل العزيمة واتخذت قراراً بإنشائها. وبدأنا بالمعاملات اللازمة لذلك مع النظام، مع السلطات اللبنانية.

ومما فاجأني وآلمني أني خُذلت في هذا المشروع خذلاناً كبيراً من القوى الفاعلة في الطائفة الشيعية بالدرجة الأولى، ووجهت بلا مبالاة أليمة من جهات أخرى. ولكني صممت على المشروع، واستمررت فيه، وعملت له، إلى أن قيض الله سبحانه وتعالى إنجازه، بعد أن وضعت فيه كل ثقلي السياسي والمعنوي وكل علاقاتي. ولا أنسى هنا أن أشكر الدور الرائد الذي قام به في إنجاز هذا المشروع فخامة الرئيس إلياس الهراوي ودولة الرئيس رفيق الحريري، وأشخاص آخرون آمل أن استحضر أسماءهم... جزاهم الله خير الجزاء.

وقد كانت فكرة "الجامعة" حينما أنشئت ترتكز على أنها إحدى مكونات الطائفة الشيعية في لبنان على الصعيد المذهبي. ولكني كنت أفهم من هذا المشروع أكثر بكثير، فيمكن لشخص أو جهة شيعية أن تنشئ جامعة، ولكن لا يجوز أن تكون جامعة مذهبية أو طائفية أو دينية خاصة، بل يجب أن تكون جامعة لتندمج في تكوين الاجتماع اللبناني العام، وتقوم بدورها في البناء الإسلامي العام، ودورها الوطني اللبناني العام.

وهكذا صممت على أن تكون الجامعة قوة تغيير في المجتمع، وليست مجرد معهد لتخريج حملة الشهادات الذين تُقيض لهم شهاداتهم فرصة العمل والكسب. ويجب أن تكون جامعة لبنانية وطنية إسلامية عامة، في مستوى قياداتها الإدارية والعلمية والتنظيمية، وفي مستوى جسمها الطالبي، ووضعنا هذا منهاجها.

من جهة ثانية صممت، ولا أزال، على ألا تكون مجرد جامعة عادية تعطي شهادات تمثل الحد الأدنى من الخبرة العلمية والاختصاصية، بل أن تبني شيئاً فشيئا سمعتها العلمية الراسخة وجديتها ورصانتها، على مستوى أرقى جامعات العالم. ولذلك كنت أقول للهيئات الاستشارية التي أتعاون معها: "التمسوا وابحثوا عن أعلى المقاييس، وأصعب المقاييس الأكاديمية، وطبقوها في هذه الجامعة"، وهكذا كان.

كما أننا في هذا السبيل لم نحاول أن نكتفي أو أن نقتصر على الحقول العلمية المألوفة في الجامعات اللبنانية، في الهندسة، وفي الطب، وفي غيرها، بل التمسنا الحقول العلمية والخبروية التي ليس لها مثيل في لبنان، فأنشأنا كليات وأقساماً في هذه الكليات تعنى بجوانب من الخبرة والمعرفة التي يفتقر إليها لبنان والعالم العربي وسوق العمل فيهما، لكي ترتقي هذه الكليات إلى مدارج القرن القادم في الأقل، وأن تكون هذه الكليات وهذه الأقسام ـ كما قلت ـ قوة تغيير وتحديث وتكوين للمجتمع في مجال التنمية وفي مجال الأبحاث العلمية، هذا فيما يتعلق بالجوانب العلمية. أما فيما يتعلق بالجانب الديني، وبالجانب الديني العام، وبالجانب الإنساني، فقد كانت لنا نظرة نحاول أن نطبقها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لها.

في الجانب الديني، أنشأنا "كلية الاجتهاد والعلوم الإسلامية" لتكون معنية بالفقه المقارن وقضايا الوحدة الإسلامية، حيث أننا لاحظنا أن العالم المسلم الديني، وخاصة الشيعي، هو جاهل جهلاً تاماً بمذاهب الإسلام غير مذهبه الخاص، وهو لا يعقل شيئاً يذكر فيما يتعلق بالأصول العامة والخاصة للفقه المقارن.

فقررنا أن يكون مجال الدراسة هو مجال الفقه المقارن بين المذاهب، لتخريج علماء ـ إلى جانب تخصصهم العالي في مذاهبهم الخاصة ـ يكون لهم تخصص عالٍ أيضاً في مجال الفقه المقارن، تمهيداً لنشوء جيل من المجتهدين العاملين في الحق الإسلامي العام، لا على الصعيد المذهبي وإنما على صعيد الشريعة الإسلامية العامة، مقارنة بالقوانين الوضعية، ولجعل الشريعة جزءاً من الهيكلية القانونية الحقوقية في الفكر القانوني العالمي.

إلى جانب ذلك، تهتم الكلية بقضايا الوحدة الإسلامية على قاعدة المشروع الذي ذكرناه في عدة من أبحاثنا، وهو إعادة توحيد "السنة النبوية" ما ورد من طريق أئمة أهل البيت (ع) أو ما ورد منها من طريق الصحابة. وهذه "السنة" التي تنقسم الآن إلى قسمين، يأخذ الشيعة بجانب منها هو سُنة أهل البيت، ويأخذ السنة بجانب مها وهو سنة الصحابة ( أهل السنة يأخذون بما صح عن آل البيت ، الراصد )، وقلما يلتقيان. وقد وضعنا الأساس النظري الصحيح إن شاء الله لتوفير هذه السنة. هذا فيما يتعلق بالجانب الإسلامي.

أما فيما يتعلق بالجانب الديني العام، فتعنى هذه الجامعة بعلم الأديان المقارن وبالحوار الإسلامي ـ المسيحي: الحوار الإسلامي المسيحي على مستوى لبنان والعالم العربي في الأقل. وهناك طموح لأن تكون هناك مشاركة لهذه الجامعة في الحوار الإسلامي ـ المسيحي على مستوى العالم لأننا نعتبر أن هذا الحوار الجاد والبناء ضرورة من ضرورات المرحلة الحضارية العالمية.

بالنسبة إلى لبنان، هو ضرورة حيوية يومية، والعالم الديني المسلم يجب أن يكون ملماً بأصول هذا الحوار وبقواعده، هذا إلى جانب علم الأديان المقارن الذي لا بد أن يلم به العالم المسلم.

ومن مقاصد هذه الكلية في "الجامعة الإسلامية" تحديث علم الكلام الإسلامي الذي مضى عليه قرابة أو أكثر من ألف عام وهو لا يزال يدور حول قضايا ومواضيع لم يعد لها أية علاقة بالحياة اليومية والعامة للإنسان في عصرنا، ولم يعد لها أي علاقة بالمشكلات الحضارية والحياتية التي تواجه هذا الإنسان، ولم يعد لها أية علاقة بالشبهات والأفكار التي أثارها تقدم العلم وتطور فلسفة العلم في عصرنا.

هذه الأهداف، باختصار، تقتضي أن تكون الجامعة محصنة من تأثير وأهواء وهيمنة السلطة السياسية، وألا تكون مجالاً للتعيينات النفعية، وألا يؤدي بها ذلك إلى انحطاط مستواها العلمي إلى مستوى هزيل.

وصيتي المؤكدة لمن يوفقه الله ليتولى زمام هذه المؤسسة أن يكون حريصاً على هذه الأهداف، وعلى تحصينها من هذا الخطر... والحمد الله رب العالمين.

الشيعة ومقولة الأقليات في الشرق

نسجل هذه الوصية في منتصف ليل الاثنين ـ الثلاثاء، السابع من شهر شوال من سنة 1421 للهجرة النبوية الشريفة، الثاني من الشهر الأول من سنة 2001م، في منزلنا في "شاتيلا".

وهذه الوصية تتعلق بمقولة الأقليات التي لها تاريخ قديم، منذ بدأ الغرب يتعامل مع الشرق على قاعدة الاستيلاء والاستحواذ والتفتيت الداخلي للجماعات، على أسس عرقية ودينية ومذهبية. وقد تفاقم هذا التوجه في السنوات الأخيرة نتيجة لجملة من العوامل أبطأت من عملية التطور أو التغير الطبيعي.

ولكن في الحقيقة، العوامل الأساسية هي عوامل سياسية مصطنعة، تحركها القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تحت ستار العولمة وما أشبه ذلك. وهذه الدعوة تهدف إلى إثارة الفوارق الثانوية أو الأساسية داخل كل جماعة سياسية في دولة أو في مجتمع، وتدفع بها نحو المطالبة بتمايزات خاصة بها، تجعلها ثغرة هشة أو نقطة هشة في البناء الوطني العام لتلك الدولة وذلك المجتمع.

إن القوى العظمى، سواء في العالم الغربي أو في أماكن أخرى من آسيا، تركز على التنوعات الموجودة داخل المجموعات الوطنية والقومية الأخرى، وتركز على حقوق هذه الأقليات. وهذه القوى حينما تنشئ الهيئات وتعقد المؤتمرات والندوات، فإن حافزها الحقيقي ليس إطلاقاً تحري العدالة في إنصاف هذه الأقليات مما يصيبها من الأكثرية التي تعيش بينها، وإنما هدفها هو إعادة تقسيم المجتمعات الوطنية في العالم الثالث تمهيداً لبث الفتن بينها، والسيطرة عليها، واقتطاع أجزاء منها تتعامل معها ضد أوطانها وضد مصالحها العامة.

من الأخطار التي تحيق بوجود المسلمين الشيعة على مستوى الأمة الإسلامية أو على مستوى كل دائرة أقليمية ـ ونتحدث خاصة على مستوى العالم العربي ـ هو إيقاع الشيعة في هذا الفخ، هو إشعارهم بأنهم يمثلون أقلية في المسلمين، وأنهم مضطهدون هنا وهناك، لأنهم أقلية، وأن عليهم أن يجتمعوا وينظموا صفوفهم ويبلوروا مصالحهم على أساس أنهم أقلية، وأن يستعينوا بالأجانب في الدول الأجنبية، أو بالمؤسسات التي أنشأتها القوى العظمى في نطاق الأمم المتحدة أو غيرها لأجل رعاية ما يسمى حقوق الأقليات. ونعلم أنه منذ سنتين أو ثلاث سنوات، بدأت الولايات المتحدة تسن قوانين خاصة بها، تعطيها السلطة والصلاحية للتدخل بصورة منفردة في هذه الحالات، ومنها "قانون حرية الأديان" وما إلى ذلك.

ومن هنا، نحن وضعنا قاعدة نتمسك بها، وهي أن الشيعة ليسوا أقلية في العالم الإسلامي، وليسوا أقلية في الوطن العربي، وكذلك هو شأن المسيحيين أيضاً في العالم العربي. لذلك فإن أية دعوة لحماية الأقليات، وإنصاف الأقليات، هي مخاطرة كبرى لا يجوز السير فيها، وينبغي التوقف عندها.

وهناك قد تثار قضايا الاضطهاد والحرمان التي يتعرض لها الشيعة في كثير من أوطانهم في العالم العربي وغيره. ونقول: نعم، إن هذه المظالم موجودة، وإن هذا الحرمان موجود، ولكن التغلب عليه لا يكون بالاستجابة لدعوات حقوق الأقليات، وإنما يكون بالعمل السياسي الإنساني الدائم لتوثيق عرى الاندماج، بجميع سبل الاندماج، في الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في أوطانهم، وفي توثيق نظام المصالح العام، وفي زيجات مختلطة، وفي كل شئ يمكن أن ينشئ شبكة مصالح عامة للمجتمع، يكون الشيعة جزءاً من نسيجها لا ينفصم.

وها نحن أمام تجربة شيطانية نحاربها وتحاربنا، فنرى كيف تعمل إسرائيل لتندمج مع محيطها ولتكون جزءاً منه، ولئلا تكون شاذة عنه. فهي بعد جميع حروبها لجأت أخيراً إلى الطريق الذي لا طريق غيره، وهو الاندماج في نظام المصالح العام لكل وطن عربي، ولمجموع الأوطان العربية، لتكون جزءاً لا يستغنى عنه في عملية سيرورة الحياة والتنمية.

وصيتي إلى أبنائي الشيعة في لبنان وفي سائر العالم العربي، وصيتي لهم ألا يقعوا في هذا الفخ أبداً، وأن يرفضوا أية دعوة لاعتبار أنفسهم أقلية، تحت أي إغراء من الإغراءات أو سمة من السمات، لأنهم لن ينتفعوا إطلاقاً بهذه الدعوة، بل سيكونون سبباً لإضعاف البنية الوطنية لكل مجتمع يجتمعون إليه، وفي إضعاف وحدة الأمة الإسلامية على المستوى العربي العام، وعلى المستوى الإسلامي العام. وبدل أن يحصلوا على اعتراف منصف لوضعهم المذهبي، أو على إنصاف سياسي في وضعهم السياسي، فإنهم في الأقل لن يربحوا شيئاً، وربما سيزداد وضعهم تأزماً لأنهم بعملهم هذا سيخلقون مخاوف وهواجس عند المسلمين الآخرين وسينظر إليهم وكأنهم فئة موالية للأجنبي.

هذه النقطة أرجو أن تكون موضع عناية واعتبار من كل ذوي الرأي الشيعة في العالم العربي والإسلامي. وأنا أعلم وأعرف أن هناك شخصيات ـ قسم منها نحسن الظن به ونحترمه ـ قد اندفعت في هذا التيار إما بداعي الغيرة على مصلحة الشيعة، أو بدواع أخرى لا يخلو منها الدافع الشخصي، دافع إيجاد منصة ووسيلة للدخول في العمل العام عن طريق هذا المشروع. هذا الأمر آمل أن يعاد النظر به بصورة جذرية، ولو بالدعوة إلى مؤتمر مصغر لأجل أن تبحث فيه طريقة الخروج من هذا الفخ الذي بدأ البعض يقع فيه.

ومن هنا فأنا لا أميل إطلاقاً، بل أرفض إنشاء جمعيات تحت شعار حقوق الإنسان الشيعي، أو حقوق الشيعة، أو ما شابه ذلك، وتسجيلها في مؤسسات منتمية ومتفرعة من الأمم المتحدة، وإعطائها دوراً في ما يسمى الهيئات غير الحكومية، وجعلها أداةً في إثارة المطالب هنا أو هناك عند كل حادث من الحوادث. هذه وصية أساسية أرجو أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

وأما المظالم التي يتعرض لها الشيعة بين حين وآخر، سواء كانت على المستوى المذهبي أو على المستوى السياسي، مستوى الحرمان السياسي، فقد بينت في بعض الوصايا السابقة، وأكرر البيان الآن، أن العمل لها يكون بالمزيد من كسب ثقة الآخرين، ومن تأكيد إسلامية الانتماء، ومن تأكيد عدم وجود أي مشروع منفصل عن المشروع الوطني العام لكل مجتمع، وعدم وجود نظام مصالح منفصل عن نظام المصالح العام لكل مجتمع.

هناك مشكلة لا تزال حية في بعض الأوساط المتعصبة في التيارات الوهابية، وهي تعمق الموقف السلبي المذهبي. هذا الأمر يجب أن يواجه من جهة بالصبر، ومن جهة بالاستعانة بالتيارات الإسلامية السنية المستنيرة، والتي قطعت شوطاً كبيراً في رؤيتها الإسلامية الصافية. وأعتقد أن هذا الأمر ـ بعد زمان قد يطول، ولا أقول قصير، ولكني لا أراه طويلاً جداً ـ هذا إلى زوال .

وحينما نلاحظ ونقارن بين ما كانت عليه الحال قبل عقدين من السنين مثلاً وما عليه الحال الآن في جميع أنحاء العالم الإسلامي بالنسبة إلى نظرتهم إلى الشيعة وإلى وضعهم المذهبي، فسنجد فرقاً واضحاً بين الحالين، وهو يشكل دليلاً واضحاً على أن الأمور تسير باتجاه سليم وباتجاه الاعتراف بالوضع المذهبي للمسلمين الشيعة من جهة، وبحقهم في الإنصاف والعدالة في المجال السياسي وفي المجال التنموي من جهة أخرى.

ومن هنا فإننا نشجع بقوة على دعم أي بادرة يقوم بها أي نظام حكم في العالم العربي نحو الديمقراطية، ونحو إقامة أي شكل من أشكال الشورى، وألا يطالب بالديموقراطية في صيغها العليا بل أن يسير الأمر رويداً رويداً، وأن يحقق هذا النمو السياسي وهذا التكامل السياسي رويداً رويداً.

ومن هنا اتخذنا قرارنا بدعم التوجه الذي أقدم عليه سمو أمير البحرين بتحديث النظام السياسي، وتحويله إلى ملكية دستورية تقوم على أساس مجلس منتخب، ومجلس أعيان معين، وقوانين تحدد الصلاحيات وتحدد الحدود. وهذا الأمر نأمل أن ينال عناية الجميع، في مقابل بعض الاعتراضات، إما سيئة النية أو قصيرة النظر، التي لا تقبل بهذا المقدار من التطور، وتريد وضعاً انقلابياً كاملاً. وهذه التيارات الحزبية خبرناها على مدى العشرين سنة الماضية، فلم نجد منها تأثيراً يذكر في تحسين أوضاع الشيعة، بل زادت الأمر سوءاً في كثير من الحالات... والحمد لله رب العالمين.

وتتمة لما قلنا، نكرر مقولتنا الشهيرة على المستوى العربي وعلى المستوى الإسلامي، وهي أنه ـ في منطقتنا العربية الإسلامية ـ لا توجد أقليات مسلمة ولا توجد مسيحية. توجد أكثريتان كبيرتان: إحداهما أكثرية كبيرة هي الأكثرية العربية التي تضم مسلمين وغير مسلمين، والأخرى هي الأكثرية الأكبر، وهي الأكثرية المسلمة التي تضم عرباً وغير عرب. والشيعة مندمجون في هاتين الأكثريتين، وهم تارة من الأكثرية العربية، وهم تارة جزء من الأكثرية الإسلامية، وكل شيء دون هذا فهو مشروع فتنة، وفخ لاستخدام الشيعة في مصالح غربية أجنبية مخالفة لمصالحهم هم كشيعة، ومخالفة لمصالحهم عرباً ومسلمين... والحمد لله رب العالمين.

نختم هذا الوجه الأول من الشريط الثاني (من الأشرطة) التي نسجل عليها هذه الوصايا.

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا هو الوجه الثاني من الشريط الثاني من الأشرطة التي بدأنا نسجل عليها هذه الوصايا، وسنتحدث أولاً عن "الحزبية في العمل الديني" وعن الضرورة الأساسية التي دعتنا إلى تأسيس وتشكيل "مؤسسة التبليغ الديني" في نطاق المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى....([1])

[1] ـ هذا آخر ما تمكن الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين من تسجيله في وصاياه الأخيرة. ويبدو جلياً أنه كان يريد متابعة توصياته بصدد أمور أخرى، فأشار إلى بعضها، ولكن الأجل حال دون ذلك، فانتقل الإمام إلى رحمة ربه مساء الأربعاء، العاشر من كانون الثاني لسنة 2001م. رحمة الله ونفعنا بوصاياه وعلمه...