بشارالأسد/روسيا ليست الاتحاد السوفياتي وسوريا ليست روسيا

From The Arcs Network
Jump to: navigation, search

روسيا ليست الاتحاد السوفياتي وسوريا ليست روسيا!

روسيا ليست الاتحاد السوفياتي وسوريا ليست روسيا!

عندما تعلن موسكو بلسان كبار المسؤولين فيها أنها لم تعد تعترف بميخائيل ساكاشفيلي رئيسا لجورجيا وأنها تعتبره "جثة سياسية"، فإنها تؤكد أنها لن تتسامح في أي تمرد من أي نوع كان على نفوذها في منطقة القوقاز. باتت تعتبر القوقاز منطقة تابعة لـ"الامبراطورية الروسية". أنها عودة إلى ممارسة سياسة النفوذ خارج الحدود ولكن في ظل خطوط معينة. مع فارق أن الحجة التي تستخدمها موسكو الآن في تحركها ترتكز على حماية الأقليات الروسية الموجودة في البلدان المحيطة بها التي كانت في الماضي القريب جزءا لا يتجزأ من الاتحاد السوفياتي السعيد الذكر. في مرحلة الحرب الباردة التي استمرت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1992، كان هناك تقاسم لمناطق النفوذ في العالم استناداً إلى اتفاق يالطا. سقط يالطا مع سقوط الاتحاد السوفياتي الذي كان لديه أوروبا الشرقية وجزء من ألمانيا ولم تكن لديه حاجة إلى التذرع بالأقليات الروسية للتدخل في هذا البلد أو ذاك.

من منطلق حماية الأقلية الروسية، تصدّت الآلة العسكرية الروسية للجيش الجورجي وشتته بعدما هاجم أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا اللتين تقعان في جورجيا. كان كافياً أن تستفز مجموعات "روسية" في أوسيتيا وأبخازيا القوات الجورجية حتى يقع الرئيس الجورجي في الفخ الروسي الذي نصب له. تحركت القوات الجورجية للسيطرة على أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بإحكام، فكان تحرك عسكري روسي ساحق ماحق شتت جيش جورجيا الذي دربه ضباط إسرائيليون في السنوات القليلة الماضية. على رأس هؤلاء الضباط الذين باتوا يمتلكون شركات أمنية خاصة، الجنرال في الاحتياط غال هيرش أحد المسؤولين عن الخسائر الكبيرة التي ألحقها "حزب الله" بالجيش الإسرائيلي في حرب صيف العام 2006. أسس هيرش شركته الأمنية بعد دفعه إلى الاستقالة من الجيش نتيجة حرب الصيف والفشل الذي جرى تحميله جزءاً لا بأس من المسؤولية عنه... كانت النتيجة أن ضابطاً إسرائيلياً فاشلاً يشارك في تجهيز الجيش الجورجي بأعتدة حديثة وفي تدريبه. ولذلك، لم يكن مستغرباً أن يحل بهذا الجيش ما حلّ به، وأن تستغل روسيا الوضع الجديد لإعلان اعترافها بأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بصفة كونهما منطقتين منفصلتين عن جورجيا.

عملياً، تطبق روسيا حالياً نظرية "السيادة المحدودة" التي سبق للاتحاد السوفياتي تطبيقها على نحو أوسع بما يتلاءم مع الآلة العسكرية الكبيرة التي كان يمتلكها. في العام 1956، قضت الدبابات السوفياتية على الانتفاضة الشعبية في بودابست. في الوقت ذاته كانت أحداث كبيرة تجري في الشرق الأوسط بعد قرار جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي الذي انتهى بالطريقة التي انتهى بها، أي بخروج بريطانيا وفرنسا بشكل نهائي من منطقة الشرق الأوسط. كرس ذلك وجود قطبين عالميين لا ثالث لهما هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولم تتردد موسكو وقتذاك في التأكيد مرة تلو الأخرى على أنها تمتلك مناطق نفوذ خاصة بها لا تسمح بأيّ تمرد من أيّ نوع كان فيها. في العام 1968 قضت دبابات الجيش الأحمر على "ربيع براغ"، وفي العام 1981 اضطر الجنرال ياروزلسكي الموالي لموسكو إلى القيام بانقلاب في بولندا للحؤول دون اجتياح سوفياتي للبلد بعدما كاد النظام ينهار تحت ضغط التحرك الشعبي الذي قادته نقابة "التضامن" بقيادة ليخ فاونسا.

لا تزال الأحلام الامبراطورية والحنين إلى أيام الاتحاد السوفياتي وإلى روسيا القيصرية تدغدغ موسكو. يقول خبير في الشأن الروسي أن من يستمع إلى كلام الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين يتذكر من دون شك الطموحات الروسية في القرن التاسع عشر. بالنسبة إلى هذا الخبير، ان كلمة "امبراطورية" تلقى صدى إيجابياً في الداخل وهي بمثابة "طموح مشروع" بالنسبة إلى المواطن العادي. السؤال إلى أين ستذهب روسيا بوتين ـ ميدفيديف في طموحاتها؟ قد يكون الجواب أنها تدرك أن ليس في استطاعتها العودة إلى ما كانت عليه أيام الاتحاد السوفياتي. كل ما تستطيع عمله هو الاكتفاء بمنطقة نفوذ في القوقاز وأماكن أخرى على الحدود، أي من قيرغستان حيث نسبة الروس نحو 12.5 في المئة من عدد السكان... وصولا إلى أستونيا وليتونيا في أقصى الشمال حيث بحر البلطيق وحيث نسبة الروس نحو أربعين في المئة من عدد السكان.

هناك عاملان تستفيد منهما روسيا في عودتها إلى ممارسة نظرية "السيادة المحدودة" التي يحاول النظام السوري تنفيذها في لبنان. يتمثل العامل الأول في وجود فراغ في المرحلة الراهنة في واشنطن، حتى ان زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني لمنطقة القوقاز والتي تشمل جورجيا، تبدو من باب رفع العتب لا أكثر. أما العامل الآخر فيتمثل في ارتفاع أسعار النفط والغاز التي تصب في مصلحة الاقتصاد الروسي. تسعى روسيا إلى فرض أمر واقع جديد معتمدة أيضا على أنها لا تزال تمتلك تكنولوجيا عسكرية متطورة وجيشاً كبيراً اضافة إلى ترسانة نووية. لكن روسيا، حتى لو كان الرجل القوي فيها فلاديمير بوتين، لا تنسى في أي لحظة انها ليست الاتحاد السوفياتي وأن أي تجاوز لخطوط حمر معينة سيرتد عليها عاجلاً أم آجلاً. الأمل أن تتذكر سوريا في الوقت ذاته أنها ليست روسيا وأن محاولة الاستفادة من نظرية "السيادة المحدودة"، وتطبيقها على لبنان لا بدّ أن ترتد عليها ولا يمكن إلا أن ترتد عليها، وأن لعبة اثارة الحساسيات المذهبية والطائفية لممارسة نفوذ خارج حدودها ليست في مصلحة أي طرف في الشرق الأوسط .. باستثناء إسرائيل طبعاً.

خيرالله خيرالله

المستقبل

9/8/2008