المطلوب من "حزب الله" قبل فوات الأوان

From The Arcs Network
Jump to: navigation, search


المطلوب من "حزب الله" قبل فوات الأوان

لم تكن سيطرة "حزب الله" على بيروت، في معارك السابع من ايار 2008، لتُكلّفهُ كثيراً على الصعيد العسكري أو الأمني. فللحزب قوة قتالية كفوءة ومجرّبة وحسنة التدريب، وجهاز امن ومعلومات متطورا، وقيادات تخطيط وإدارة وتوجيه عالية الاقتدار، ناهيك عن الدرجة العالية من التنظيم والانضباط في صفوف مقاتليه مما لا يحسن أداء من دونهما.

ولكل تلك الأسباب، ما كان مستغرباً أن تقع بيروت تحت سيطرته في بحر ساعات وأن يعجز مئات المسلحين (وقيل آلاف) من قوى الموالاة عن صدّ زحف مقاتليه القادمين من ضواحي المدينة جنوباً نحو عمق العاصمة، فقد كان معظم أولئك المسلحين – ربما باستثناء بعض مقاتلي "الحزب التقدمي الاشتراكي" – حديثي عهد بالقتال، وخبرتهم فيه لا تكاد تتعدى حصص التدريبات التي تلقوها. بل ولكل تلك الأسباب، ليس يجوز وصف سيطرة مقاتلي الحزب على بيروت بالانتصار العسكري، لأن الاختلال في ميزان القوة فادح ونتائج المواجهة محسومة منذ البداية.

بهذا المعنى ما كلفته المواجهة القتالية شيئاً كثيراً. لكنها كلّفته أشياء أخرى في غير هذا الباب. وهو كان يعرف سلفاً أنها ستكلّفه، وكان تقديره هذا هو ما منعه طويلا من حسم المعركة السياسية مع الموالاة منذ زمن فأبقاها في حدود الاعتصام ومقاطعة الحكومة وشن الحرب الإعلامية عليها. وقد لا يكون مستبعداً أن التقدير عينه دار في رأس الموالاة طويلا، وأنه كان السبب في دفعها الى تصعيد الموقف مع "حزب الله" (في قرارات الحكومة بتاريخ 5/5/2008 ظناً منها بأن حرصه على ما يخاف من تبديده سيمنعه من الرد عسكرياً). غير أن الحزب إذ رد عسكريا على ما اعتبره استفزازا وتحديا له، ومساساً بنظامه الأمني، وضع نفسه – من دون ان يريد أو يقصد – في وضع محرج على المدى البعيد حتى وإن أكسبه ما كان عاجزاً عن تحصيله بأدوات الضغط السياسي والشعبي.

يمكننا أن نحصي – في هذا المعرض – مشكلتين ثقيلتين نجمتا عن ذلك الحسم العسكري وستكلفان "حزب الله" كثيراً في المستقبل القريب. والمشكلتان لا تقبلان النظر إليهما بما هما من "المضاعفات الجانبية" لعملية الحسم تلك، مثلما قد يدور في خلد من يبتغون التهوين من ثقل ما جرى أو استصغار كلفة نتائجه، وإنما هما من الحدة والإعضال بحيث لا يجوز تجاهل ما قد تأخذان الوضع اللبناني اليه ان لم يقع احتواؤهما احتواء فعالا وناجعاً. والمشكلتان تتصلان بمستقبل صورة المقاومة، وبمستقبل العلاقة السنية – الشيعية في الداخل اللبناني وفي المحيط العربي والإسلامي.

فأما صورة المقاومة في لبنان، فمعرّضة للتبهيت وإضعاف الوهج وفقدان الكثير من عناصر الهيبة والشرعية والطمأنة بعد الذي جرى في السابع من أيار 2008. لسنا نقصد بهذا ان جمهور خصومها في الداخل سيتراجع عن تأييدها أو عن النظر إليها بعين الاطمئنان، فلقد دُق الإسفين – منذ سنوات – بين هذا الجمهور وبين المقاومة، ونجحت القوى السياسية المعارضة لسلاح "حزب الله" في تكريس رواية عمومية سلبية عن الحزب وسلاحه (على الأقل منذ حرب تموز 2006) في أوساط جمهورها على نحو أخرجه من دائرة القوى الشعبية الحاضنة للمقاومة.

ما نقصده هو ان القوى الاجتماعية اللبنانية من البيئات الطائفية غير الشيعية، التي لم تتفاعل إيجابا مع الحملة على "حزب الله" وسلاحه ودور هذا السلاح، والتي ظلت ترى فيه مقاومة وطنية مشروعة ضد الاحتلال والعدوان، وتُحيطه بسياج من الشرعية الشعبية من خارج بيئته الطائفية المباشرة، وتوفر له من طريق ذلك نصاب الشرعية الوطنية التي تجعل من سلاحه سلاح شعب ووطن لا سلاح طائفة وحزب... الخ، (إن هذه القوى) لن تستمر في تقدير المسألة والنظر اليها على نحو ما كان عليه الأمر قبل واقعة 7/5/2008.

فسلاح الحزب – لدى السواد الأعظم من مؤيديه من خارج جمهوره المباشر – عُدّ سلاح مقاومة لأنه ما انخرط يوماً في المعارك الداخلية وما وُجِه يوماً الى صدور اللبنانيين ولو كانوا خصوماً. وقادة الحزب ما توقفوا عن التأكيد والتعهد بان هذا السلاح لن يُستعمل تحت أي ظرف من الظروف خارج نطاقه الشرعي (مواجهة العدو الخارجي). أما وأن "حزب الله" خرق تعهداً وحاد عن خيار مألوف – وأياً تكن الأسباب التي حملته على ذلك – فاستعمل سلاحه في الداخل، فقد طرأت "نازلة" سياسية جديدة يصعب تبريرها حتى وإن كان في الممكن فهمها أو قل فهم الأسباب الموجبة لها.

قد لا تذهب الهواجس بهذا الجمهور (غير الشيعي) غير المتحامل على "حزب الله" الى حد الاعتقاد بأن انقلاباً حصل في شخصية الحزب وفي هوية السلاح فحوله من مقاومة الى ميليشيا حزبية وطائفية – على مثال سابقات لها في لبنان – لكن الذي ليس يداخلنا شك فيه هو أن شيئا كثيرا من الاطمئنان الذي كان لدى هذا الجمهور تجاه الحزب وسلاحه انهار في احداث السابع من ايار 2008. وهو انهيار تغذى من جملة أوضاع ومعطيات هي – فضلا عن معاينة التغير النسبي الطارىء على وجهة ذلك السلاح ووظيفته – مما تحصل من تضافر الحساسية المتزايدة من صعود "الشيعية السياسية" في لبنان (كما في العراق والسعودية وبعض بلدان الخليج العربي) مع الاحراجات التي يتركها موقف التأييد لـ"حزب الله" من قبل هذا الجمهور (غير الشيعي) المتعاطف معه داخل محيطه الاجتماعي (الطائفي) الخ... وهي اوضاع حرجة قد يخطىء من يستصغر امرها او يحسبها في جملة التحريض المذهبي على المقاومة.

واما مستقبل العلاقة السنية – الشيعية في لبنان وفي محيطه العربي والاسلامي، فلن يكون سهلا السيطرة على مساراته وتوجيهها نحو أفق التفاعل الايجابي والتفاهم والوحدة (بين ابناء الدين الواحد) بعد الذي جرى في ذلك اليوم البيروتي الطويل، وبعد أن تبيّن لكثيرين ممن استسلموا لروايات "معادية" لـ"حزب الله" ولـ"طائفية" و"مذهبية" مشروعه السياسي كيف ان مقاتلي الحزب سيطروا على مناطقهم وأحيائهم ونشروا فيها أعلامهم وشعاراتهم واجبروا جمهور هذه المناطق والأحياء – من بيئة مذهبية مختلفة – على اللوذ بالاقامة في البيوت في ما يشبه الاحتجاز، ثم على الشعور الجماعي بأن العاصمة باتت – بما تمثل – تحت رحمة قوى زاحفة اليها "من خارجها" من دون ان يقوى "اهلها" على الدفاع عن انفسهم.

واذا كان يسع "حزب الله" ان يعزو هذا الشعور بـ"المظلومية السنية" في بيروت (كما في طرابلس والشمال) الى سياسات التعبئة المذهبية الذاهبة الى توليد وتنمية "عصبية سنية" في هذه المناطق ضد الشيعة وضد "حزب الله" وحركة "امل" فان معركته العسكرية في بيروت لم تفعل سوى انها وفّرت الامداد المادية (من شواهد وقرائن) لتلك التعبئة وأقامت على مقولاتها بعض دليل كانت تحتاج اليه حتى تبدو روايتها لجمهورها رواية هادفة: فها هم الشيعة يدخلون بسلاحهم الى مناطق "السنة" ويفرضون عليها السيطرة ويكسرون شوكة مقاتليهم ويحتلون مقراتهم الأمنية ويحاصرون اقامات "رموزهم"...!

لقد رفع من منسوب "الرهاب السني" في بيروت والشمال – فضلا عن الحوادث والتعبئة السابقة لها – ما كان يجري من فصول التخويف من صعود "الأصولية الشيعية" في لبنان والعراق والجوار العربي، ومن نجاحات ايران في اختراق حدود جيرانها الثقافية والمذهبية والسياسية الى حدود القاء القبض على جزء من المصير الوطني العراقي (في الجنوب والوسط خاصة: عبر المتعاونين معها في الداخل العراقي من القوى الطائفية والمذهبية للمشاركة في السلطة العميلة للاحتلال)، والى حدود الضغط على التوازن الاجتماعي والسياسي في بعض البلاد العربية من خلال تحريك الكتلة الشعبية الشيعية في معركة السلطة والنتيجة ان العلاقة السنية – الشيعية في لبنان اضطربت كثيرا بعد الذي جرى وبدا وكأنه انتصار لفريق على آخر. وهي لا شك ستضطرب اكثر في المستقبل بالنظر الى ما ستولده الأحداث من نتائج سياسية ونفسية بالغة الخطورة لن يكون أقلها اطلاق عفريت "الأصولية السنية" "الجهادية" من قمقمه السحري.

سيكون على "حزب الله" – في الحالين – أن يرمم الصدعين الكبيرين في جداره الداخلي وفي جدار الوطن. سيكون امامه عمل شاق كي يعيد تشذيب صورة المقاومة التي علقت بها التباسات طارئة فيعيد تقديمها في نقاوة دورها وفي تعالي سلاحها على اي صراع سياسي داخلي. وسيكون امامه عمل اشق كي ينجح في تنظيف بيئة العلاقة السنية – الشيعية وتصويبها. ومع ان هذه المهمات مطروحة على الجميع، فان دور "حزب الله" فيها ينبغي أن يكون مركزياً... ومبادرا... قبل فوات الأوان.

عبد الإله بلقيز