المشهد السياسي الدرزي بعد أحداث الجبل

From The Arcs Network
Jump to: navigation, search

تلاقي جنبلاط ـ أرسلان لا يبلغ التحالف... لكنه يُريح الأهالي ويُقلق بعض المعارضين المشهد السياسي الدرزي بعد أحداث الجبل: ماذا بعد "الوجود أولاً"؟

السفير


رشا الاطرش كما في بيروت، كذلك في الجبل، وربما أكثر. لم ينته في حينه "التدبير" المسلّح الذي قامت به المعارضة في العاصمة وبعض قرى الجبل قبل حوالى الشهر، وهو المختَلَف على تسميته ما بين "الاجتياح" و"العملية الجراحية". وإذا كانت التسميات المتفاوتة تدل رمزياً على كون المفاصل "الوطنية"، كبيرة كانت أو صغيرة، لا تزال "مفارقات" جهوية نسبية في لبنان، فهذا ما لا يغير الكثير في معنى الحدث (وما قبله وبعده). الحدث الذي شكّل لحظة ذروة في قصة إبريق الزيت المعكّر منذ سنوات ثلاث. المعنى الذي حفر أثراً غير بسيط وغير موقت في صورتَي طرفي الصراع. لكن قائلاً يقول إن جزءاً بعينه، من الموازييك السياسي المحلي، قد ظهّر في ذاته تلاوين تحوّل، مرئي أكثر من غيره. إنه الجزء المؤطر بالطائفة الدرزية: تلاقٍ "جديد"، بعد جفاء، بين الزعامتين القديمتين ـ الجديدتين الجنبلاطية والأرسلانية... بعض ارتياح في العلاقات (والمصالحات الجارية فعلاً) بين أهالي القرى الذين استنفروا عصباً أقلوياً جامعاً تفوّق على ولاءاتهم السياسية المتباينة تاريخياً وراهناً، وذلك إزاء ما اعتبروه اعتداء مسلحاً يهدد وجودهم. وبغريزة "أنا وابن عمي على الغريب"، نزل شبان من بيوتهم لدرء ذاك "الخطر الطارئ"، أطلقوا النيران من أسلحتهم المنزلية، أو تصرفوا بأسلحة يفترض أنها "معارِضة" إلى جانب أخرى "موالية". فذابت الفوارق في لحظة عالية (بالرغم من نداءات الزعماء) من أجل "حفظ الإخوان"... واقع يفتح الشهية على الفكفكة وطرح الأسئلة: كيف سينعكس ذلك كله على المرحلة المقبلة؟ هل يصح اعتبار "التصالح" المستجد، بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني طلال أرسلان، تحالفاً سيترجم نفسه في السنة الانتــخابية المقبلة؟ أم أنه مجرد اتفاق أمـــني ابن ساعته؟ وأي تأثير لذلك على النسيج الدرزي المعارِض؟ هل وقع الأمير طلال أرسلان في "الفخ" بمعنى أن زعـــامته استُوعبت تحت عباءة وليد بك جنبلاط؟ أم أن الأخير دفع، في لحــظة ما، ثمناً سياسياً أفرز ـ في ما أفرز ـ إعـــادة الإقرار بحركة الزعامة الأرسلانية، إلى جانب الميل التسووي لأن يتقاسم معها التمثيل الدرزي وواجهته؟ هنا جولة على الأقطاب، وربما تستنج خلاصات... البداية من عند النائب وليد جنبلاط، الذي ما زال يعتبر أن القرارين الوزاريين (بخصوص العميد وفيق شقير وشبكة اتصالات حزب الله) لم يكونا سوى "حجة سببت أو عجلت في الانقلاب الذي حصل، وأن لهجة الاتهام العصبي في المؤتمر الصحافي للسيد حسن نصر الله حملت إليه ما يكنّه لي النظام السوري... عال، احتلوا بيروت في ساعات، لكن الحملة على الجبل لم يكن لها مبرر سوى الوصول إلى صدام درزي ـ شيعي". يتابع جنبلاط في حديث قصير مع "السفير" انه بذل كل جهده "لتفادي مواصلة القتال الذي لا طاقة لنا به، كان علي أن أضحي ببعض من رصيدي السياسي لأحفظ وجود الدروز في جبل لبنان، خصوصاً حين تكون الحجة أن خاصرة المقاومة مهدَّدة... لكن من بيصور والشويفات؟ المهم، معنى هذا على المدى الطويل أن هناك مشروعاً للاستيلاء على المنطقة أو تطويقها كما حصل في بيروت.. اتصلت بالرئيس نبيه بري، كنت أفضل أن أنجز الصفقة معه، لكن إحساساً انتابني بأنه غير مفوض، فعدت وفوضت الأمير طلال، وهكذا صددنا الصدمة الأولى". لا يعتبر جنبلاط الاتفاق الأخير مع أرسلان تحالفاً، بل خطوة تحمي وحدة الجماعة من التأثر "بالمشروع السوري... هناك أهمية المصير الدرزي في الجبل، ولم يعد الموضوع موضوع مركزي الشخصي أو السياسي. فلو سال الدم في منطقة بيصور ـ كيفون ـ القماطية ـ عاليه، لو لم أسع عبر الهاتف إلى فك الكمين ـ مثلاً ـ عن دورية أرسلها "حزب الله" إلى المنطقة، لو قتل شخص أو بضعة أشخاص لدخلنا في حرب لها أول وليس لها آخر". (يصح هنا فتح هلالين للنقل عن أوساط رافقت جنبلاط إلى الدوحة ونقلت أنه كان متمسكاً بإنجاز اتفاق، من دون الاكتراث بالتفاصيل. إذ كان "المكسب بالنسبة إليه ألا تقع حرب وكفى"). هكذا، وفي المدى الحكومي القصير، عرض جنبلاط على أرسلان أن "يتنازل" له عن وزارة، لكن لا جواب نهائياً بعد من المعارضة. فماذا عن "التعاون" في المدى الانتخابي الأطول؟ لا يُنتظر من طلال أرسلان أن يكون، بالتصنيف السياسي، مع جنبلاط. سيشكل، بحسب توقعات أوساط الأخير، لائحة ضده، ولا يُستبعَد ترشيح سمير القنطار في بعبدا (إذا ما تم تحريره في الوقت المناسب). ويصبح السؤال: إذا جرى السعي إلى ائتلاف، وأخذ أرسلان مقعداً في عاليه، فهل يضمن لجنبلاط أن يصوت له "حزب الله" في بعبدا؟ الأرجح أن لا. في بعبدا هناك ستة نواب، وفي قانون الانتخاب المتفق عليه أخيراً، يبدو الصوت الدرزي، مع السنّي، مقابل الصوت الشيعي، تقريباً "على المنخار"، والضاحية "بلوك" منيع... أما في عيار الخطاب السياسي، وفي ظل الكلام عن علاقات دبلوماسية مع سوريا، وزيارة قريبة قد يقوم بها الرئيس بشار الأسد إلى لبنان، فالموقف الجنبلاطي ينوي الالتزام بثوابته: العلاقات الصحية بين الدولتين، "هوية" شبعا، السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها، الترسيم والتحديد... الخ. لكن لهجة الثوابت هذه تعِد بعنف وحدّة أقل، بحكم التطورات الأخيرة. ثمة اطمئنان جنبلاطي لقطع الطريق على "اختراق" في وحدة الصف الدرزي.. حتى الآن. والرأي الراهن من هذا الموقع أن "الإيراني سجّل نقطة، وأخذ لبنان رسمياً". لذلك، لا يولي هذا الرأي اهتماماً، مثلاً، بفتح قنوات حوار مع "التيار الوطني الحر"، ليس من باب رفض "التيار"، وإنما لأنه يعتبر أن مشكلته ليست مع التيار، في حين أن "حزب الله" على مسافة النقيض المكين. فكيف سيتبلور دور الطائفة الدرزية لبنانياً، اليوم وغداً، بالمقارنة مع السنوات الثلاث الماضية؟ الطائفة التي لطالما لعبت في السياسة، وعلى مفترقات الطرق، دور الثقل الوازن على قاعدة "ضرب العدد بالدور"، والمفترض أن البلد مقبل على توازنات من نوع جديد، بعد اتفاق الدوحة... هكذا تراه العين الجنبلاطية الهوى: ثمة بند في اتفاق الدوحة يتناول موضوع السلاح، وغداً يقول حزب الله: تريد سلاحي؟ أريد مقابله تعديلات في اتفاق الطائف، وحتى الآن من غير الواضح كيف سيترجم الحزب مطلبه هذا. أما دور القطب الدرزي في 14 آذار، فالواقع الديموغرافي والجغرافي ـ الطائفي بات يطوّقه، خصوصاً في حسابات ما بعد أحداث الجبل. يختار القطب الدرزي، الذي يُنظر إليه كرأس حربة فريقه الموالي، إعلاء ضمانة "الوجود الدرزي" على اللعبة السياسية ـ الاستراتيجية الأوسع، وهذا ما بات الحلفاء في 14 آذار يدركونه جيداً. ضمانة الوجود الدرزي، مشدود العصب الداخلي أمام من يشعر بأنهم "يتربصون به"، لا سيما مع دلّ الإصبع على الغلطة القديمة لـ"الانعزال الماروني"، يكررها اليوم حزب الله. وتعزف على المسامع الجنبلاطية نغمة ذات وقع مقلق: "حماية خاصرة المقاومة من جهة الجبل". وهنا، تستمر رغبة جنبلاط في تواصل يكون بنّاءً أكثر مع الرئيس بري، لكن الشعور الدائم هو أن الأخير "لا يملك تفويضاً كاملاً من "حزب الله" الذي لا يخفض من لهجته السورية". وبالحديث عن سوريا، يأتي ذكر درزي آخر، في تاريخه خيوط ارتباط معنوي مع النسيج الدرزي اللبناني. لكن ثمة من يرصد مقصاً طارئاً على هذه الخيوط بأثر من الخطاب الجنبلاطي خلال المرحلة الأخيرة. لا تنكر الجدلية في الأوساط الجنبلاطية أنها ربما تسببت بإحراج درزي ـ سوري داخلي، لكنها تعتبر أنها انطلقت من الحد الأدنى لـ"ربيع دمشق" ولم تكن تصبو ـ حتى في خلفيتها ـ إلى أي نوع من أنواع التحالف الدرزي اللبناني ـ السوري. وتلقي الجدلية نفسها باللائمة على "النهج البعثي" معتبرة أنه لطالما وقف "ضد التواصل". أرسلان: طرف وليس وسيطاً يشدد رئيس الحزب الديموقراطي، طلال أرسلان، على نقطة يحرص على تكرارها: "في الجبل أنا طرف ولست وسيطاً. ما زلت من صلب المعارضة اللبنانية وأعتز بتحالفي مع المقاومة وحزب الله. فوضتني المعارضة، وفوضني وليد جنبلاط لإبعاد الكأس المرّة عن الجبل. كنت مكلفاً بدور أمني، أكثر منه للتفاوض السياسي على قاعدة تقريب وجهات النظر بين معارضة وموالاة داخل الطائفة". ويقول لـ"السفير": "أنا مرتاح جداً لموقعي، وقد كنت واضحاً مع جنبلاط بشأنه عندما زارني في خلدة، لكني لا أحرق الجبل كي أكون صادقاً في موقفي السياسي". فهل أحرجه إذاً، وهو "من صلب المعارضة"، هجوم حلفائه بالسلاح على المنطقة؟ يجيب أرسلان: "أبداً لم يحرجني، لكن اليوم لم يعد ينفع أن نقول كيف حدث ذلك، هذه مشكلة فتحتها الحكومة. وكان التصرف، برأيي، عدائياً تجاه المقاومة، بالقدر الذي كانته حرب تموز". فهل يعني ذلك أن أرسلان يجد الهجوم مبرراً؟ "أنا لا أقول إنه مبرر، بل إن الحكومة تعدّت على المقاومة التي اضطرت إلى رد فعل قاس". وعن مقولة إن جنبلاط رفع عنه "الفيتو" التمثيلي الدرزي، يرد أرسلان أنه إذا دخل في الحكومة فسيكون ذلك من موقع المعارضة وحصتها، "التسكير في السابق كان على المعارضة ككل وليس علي أنا فقط". لكن جنبلاط كان دائماً ممثلاً بأكثر من وزير وبكتلة نيابية، فيما كان طلال أرسلان يشارك بشخصه... "أنا لست معقداً من فكرة أن جنبلاط كان يمثل أكثر مني"، يجيب أرسلان بارتياح، "أشكره لأنه بادر إلى طرح إيجابي للموضوع (التوزير)، وما زلت أتشاور مع حلفائي في المعارضة بشأن موقعي في الحكومة". والعام الانتخابي المقبل؟ هل نرى ائتلافاً انتخابياً بين جنبلاط وأرسلان قريباً؟ يرى الأخير أنه "من المبكر الكلام في هذا الموضوع، والتقارب بيننا محكوم بمدى التقارب في المرحلة المقبلة بين طروحات المعارضة والموالاة في لبنان ككل". ويبقى الموقع داخل الطائفة. كلام كثير هنا: يحكى في أوساط الموالاة الدرزية عن القاعدة الشعبية الأرسلانية التي استنزفت حجمها حالة وئام وهاب، (وأنها تستنزف أيضاً قاعدة فيصل الداوود في البقاع الغربي)، لا سيما أن وهاب طرح نفسه من موقع أكثر تشدداً ضد جنبلاط، بالإضافة إلى الوفرة المالية والسلاح وتفخيم الإحساس بالنفوذ. وتضيف الأوساط نفسها أن أرسلان، بعد تلاقيه الأخير مع جنبلاط، سيعيد لمّ شمل قاعدته تحت شعار "كرامة الدروز التي بدت خلال الأحداث على المحك". ويرى موالون دروز أنه "حاكى العقل الباطني الدرزي التقليدي... صحيح أن هذا العصب مرهون بذروة الحدث، والصراع السياسي إذا عاد واشتد فسيعود الناس إلى الفرز، لكن المؤكد أنهم هذه المرة سيفرزون أنفسهم والخلفية في رؤوسهم تقول: ما حدث مرة يمكن أن يتكرر، حتى أن المقربين من أرسلان صاروا يتهامسون في ما بينهم بأن المير على راسنا لكن حزب الله...". أما أوساط المعارضة الدرزية، وتحديداً رئيس "تيار التوحيد" وئام وهاب، فيقول لـ"السفير" بصراحة، وإن آثر عدم الدخول في التفاصيل، إن "إدارة المعارضة الدرزية للمعركة كانت سيئة، فحزب الله لم يدخل الشويفات من دون طلب المعارضة وتحديداً الحزب الديموقراطي (أرسلان)". يرد أرسلان على الأقوال الأخيرة: "أنا آسف لهذا الكلام. لا أحب أن أرد على وئام وهاب الذي يعطي لنفسه حجماً لا يمثله ضمن الواقع الدرزي في الجبل. أنا لا أسعى إلى براءة ذمة من أحد، لم أقم سوى بواجبي تجاه أبناء الجبل. لقد كنا أمام فتنة، لو وقعت، لما عرفنا كيف نخرج منها، ولكان انعكس ذلك على البلد بأسره". ويضيف إن "البعض في القاعدة الشعبية، إذا كان يُشترى ويباع بالمال فهذا لا انتماء سياسياً حقيقياً له، ثم هناك تعددية سياسية في الجبل، هناك القوميون والشيوعيون، والأمر ليس فقط جنبلاطياً ـ أرسلانياً، أما قاعدتي فمتماسكة وإلا لما استطعت أن أؤدي الدور الذي قمت به مؤخراً". الحلبي: الرابح يحفظ الخاسر يقرأ القاضي عباس الحلبي التطورات الدرزية ـ الدرزية الأخيرة بكثير من "الطبيعية". لم يفاجئه، كمراقب من الداخل، موقف جنبلاط أو موقف أرسلان، ولا قتال الدروز جنباً إلى جنب، خلال الاشتباكات، وهم مختلفون في المواقع السياسية، "فهذا رد الفعل المتوقع للأقليات، عندما تشعر بالخطر لا تعود هناك سياسة، بل تطغى مسألة الوجود. وفي تاريخ الدروز، منذ أيام المماليك، حتى لو اختلف الفرقاء سياسياً، في وقت الشدة، الفريق الرابح يحفظ الفريق الخاسر". ويؤثر الحلبي الحديث بصراحة عن "صراع له طابع سني ـ شيعي، والطوائف الصغرى كالدروز تميل إلى تجنب مثل هذه المعمعة. الناس يرحبون بالتلاقي بين الزعامتين لحفظ وحدة الصف الداخلي. لقد تحقق مكسب سياسي هنا، لم يعد جنبلاط مستأثراً بالتمثيل الدرزي، وأقرّ مجدداً بالدور الأرسلاني، خصوصاً أنه حاول تهميشه منذ العام .2000 أعتقد أن الأمير طلال اليوم أقوى، على مستوى القاعدة الشعبية، وذلك خلافاً لما يقوله من ينظر بسطحية إلى علاقته بحلفائه في المعارضة، فهو أقدر الآن على التأثير من الداخل. حتى قاعدته الأرسلانية كانت تطرح التساؤل بخفر: لماذا هذا التحالف إلى أقصاه مع حزب الله؟ فهم يرونه في موقف درزي أكثر اعتدالاً، ولو أني أرى أن الموقف الجنبلاطي تجاهه في الماضي لم يترك له خياراً آخر. ففي النهاية هذا رجل لديه مصالح، وسيبحث حكماً عن تحالفات تبقيه على الخارطة السياسية. علماً بأني، كوني صوتاً من المجتمع المدني الدرزي، لا أوافق على حصرية التمثيل بين جنبلاط وأرسلان، وأتمنى ألا يستمر هذا التلاقي على حساب القوى الحية داخل الطائفة الدرزية". يرى الحلبي أن "السخيف وحده كان ليراهن على مشروع غلبة في الجبل، لا سيما من خلال بعض الظواهر الصغيرة التي نبتت على أطراف الانقسام الداخلي السابق، وبسيط من يفكر بإنهاء جنبلاط في عقر داره. اليوم، الانفتاح الجنبلاطي ـ الأرسلاني يقوي الاثنين ويُضعف هذه الحالات الهامشية". فمن تشبه الطائفة الدرزية الآن، سياسياً؟ السنّة؟ الموارنة؟ في رأي الحلبي هي لا تشبه إلا نفسها، "فالدروز هم أكثر الطوائف تعلقاً بنظام لبنان القديم، على أساس الحفاظ على الزعامات التقليدية. يرون أنفسهم طائفة مؤسِّسة في لبنان منذ القرن السادس عشر، وأن لديهم مشروعية تاريخية، حتى قبل المسيحيين. اختفى الوجه الإقطاعي المسيحي. السنّة استفادوا من مشروع الحريري، وربما أكثر من مقتله، لكن لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحصل في المستقبل بسبب مداخلات الخارج في ترتيب الطائفة السنية التي هي متحركة أصلاً. والشيء نفــسه عــن الشيعة، وهم الآن ممســوكون من قبل حزب الــله، بخطابه الأيديولوجي، ومؤسسـاته الاجتماعية، وغناه المالي. أما هذا الارتباط الولائي بالزعامات التقليدية فهو خصوصية درزية". توقظ هذه الصورة في ذهن المواطن العادي في الجبل ثنائية كمال جنبلاط ـ مجيد أرسلان. صورة مستحبة شعبياً. تبعد، ربما، شبح الإشكالات الأمنية الدرزية ـ الدرزية التي وقعت كمتفرقات في المنطقة خلال العامين الماضيين. "نعم، لكن الاختلاف كبير، باختلاف الأشخاص والموضوع السياسي الذي كان لبنانياً تقليدياً على أيامهما. كان المير مجيد متموضعاً مع المدرسة المارونية الحاكمة، وكمال بك ضدها. بات الأخير، عشية الحرب الأهلية، يمثل نصف البلد (الحركة الوطنية، المقاومة الفلسطينية... الخ)، وكان زعيم السنّة والشيعة والدروز وقسم من المسيحيين. لكن الصراع الحالي لم يعد على تركيبة الحكم والمحاصصة وحسب، بل أصبح أيضاً على موقع ودور البلد في المنطقة، ومن هنا نرى التناقض السني ـ الشيعي منعكساً في لبنان. وليد جنبلاط اليوم هو زعيم الأغلبية داخل الطائفة، وما زال يملك أدواته التنظيمية ويعرف كيف يدير التعبئة من الداخل". المعارضة الدرزية "المنتصرة" يلتقي قطبا المعارضة الدرزية، أي الوزير السابق وئام وهاب والحزب السوري القومي الاجتماعي ممثلاً بنائب رئيسه محمود عبد الخالق (اذا صح ادراجه في هذا الاطار رغم علمانية الحزب)، على نقطتين واضحتين: التموضع القتالي "ضد المشروع الأميركي الذي يستهدف المقاومة" (ولو كان القتال محدوداً بحكم محدودية المعارك التي جرت في الجبل بأثر من قرار جنبلاط ـ أرسلان بعدم توسعها)، وما يسمى بالخيار الثالث للزعامتين التقليديتين، العلماني في حالة "القومي" والدرزي في حالة وهاب. وفي الحديث مع "السفير" يشدد عبد الخالق على مطلب "أن يتم التمييز بيننا وبين وئام وهاب، فنحن موجودون في كل الجبل منذ سنوات طويلة". وانطلاقاً من هذا المطلب يبدأ توصيف موقع الحزب في الخريطة السياسية الدرزية: "أنا أتبنى الرأي بأن المقاومة لم ترد غزو الجبل وإنما الحفاظ على نفسها، ونحن كنا في الشويفات وحصل قتال بين بعض القرى. ربما شعرت طائفة كاملة بأنها مستهدفة، لكن القوميين يرون ذلك ولا يعيشونه لأنهم خارج الطوائف ولو كانوا أبناء المنطقة. في النهاية، لا أستطيع التخلي عن رفاقي في القماطية كما في بيصور". فمن ربح المعركة وما بعدها في السياسة؟ في رأي عبد الخالق ان "المقاومة انتصرت في بيروت، حيث انكسر تيار سياسي وخرج من المنطقة، كان بوسع المقاومة أن تنتصر أيضاً في مواقع أخرى وتتقدم، لكن في الجبل لم يخرج تيار سياسي، إذ تم تدارك القتال في مراحله الأولى، ونحن كنا طبعاً من دعاة عدم توسع المعارك، لكن المقاومة انتصرت سياسياً طبعاً". لا يبدو النقاش ممكناً في معنى "الانتصار"، لا سيما أن بيروت خارج موضوعنا هذا. لكن المجال مفتوح ليستذكر عبد الخالق تحالفات "القومي" و"الاشتراكي" في محطات انتخابية وسياسية سابقة، وإن تخللها مد وجزر، وذلك حتى العام ,1996 وإلى حد ما العام ,2000 "لكن اللقاء الآن صعب، يا ليت كانت هناك برامج سياسية يلتقي عليها الناس، لكن طالما أنها غير موجودة، فنحن نلتقي مع المقاومة". أما وهاب فيرى أن ما حصل في الجبل كان نتيجة "تصادم مشروع تمثله المعارضة وآخر يمثله وليد جنبلاط. لا شك في أن جنبلاط كان أقوى على الأرض من المعارضة الدرزية، لكن الأخيرة تمكنت من إقامة توازن رعب. هذه المعارضة تسلّحت ونظمت وضعها وصارت قادرة على مواجهة أي إلغاء. وانعكس اصطدام بيروت على الجبل، علماً بأنه في الجبل كانت هناك عناصر إضافية سببها هيمنة الفريق الآخر على مدى السنوات الثلاث الماضية". لكن أليس هذا تصويراً للأمر على أنه تصادم درزي ـ درزي، في حين أنه أوسع من ذلك بكثير باعتراف الجميع؟ يقول وهاب: "نحن كمعارضة درزية قسّمنا المناطق. أنا أخذت الشوف والوزير أرسلان أخذ منطقة عاليه. في الشويفات لم يدخل "حزب الله" من دون طلب المعارضة. الحزب الديموقراطي هو من طالب بالتدخل، ربما احتاج إلى دعم معين، وتحميل "حزب الله" هذا الدخول هو تهرب من المسؤولية. تحركنا في الشوف والجرد، مع الحزب القومي. الاشتراكي لم يبادر إلى مشكل في جرد عاليه. في منطقة الشوف انتصر عناصر تيار التوحيد عند تلال بلدة بعقلين، ثم تدخل الشيخ ابو محمد جواد ولي الدين وأقفلت المكاتب ودخل الجيش. في الشوف لم نطلب تدخل الحلفاء، ووصلنا إلى النتيجة نفسها التي تحققت في مناطق ثانية". لكن ألا تدعم هذه الأقوال الاتهام الموجه إلى وئام وهاب بأنه حمل السلاح على أبناء منطقته وطائفته، ولم يكن يكترث لاحتمال احتراق الجبل إذا كان ذلك يؤمن له مكسباً سياسياً؟ "أنا أملك شرعية درزية أكثر من كل هذه القيادات، أنا درزي منذ ألف عام!"، يرد وهاب، "لكن المشكلة أني قبلت أن أكون وزيراً (سابقاً) من دون إذن من أحد، وهذا ما لا يغفرونه لي... انا مستعد للقتال لأدافع عن نفسي وليس لأخرب الجبل". والخوف من الفتنة الدرزية ـ الدرزية؟ "لماذا لا يفكر غيري بمنعها؟ فإما أن يحكمني بالحديد والنار وإما ان أكون أنا المسؤول؟ لا، بل هو (جنبلاط) المسؤول". ينفي وهاب أنه حاول، خلال العامين الماضيين، إحداث تسرّب في القاعدة اليزبكية لمصلحته بدليل أن "نصف المكتب السياسي عندي من عائلات تاريخها جنبلاطي، على كل حال هذه تقسيمات تقليدية تافهة، وقد بدأت نهايتها". لكنه يرى أن "إدارة المعارضة الدرزية للمعركة كانت سيئة. لن أدخل في التفاصيل ولا في جدل مع أحد.. المهم أن (معركة) الشويفات كان لازم تصير غير هيك". فهل تتعكر علاقة وهاب بأرسلان؟ "هو أخ لي، لكن ثمة شوائب بحاجة إلى نقاش، إذا كان هناك وزير للمعارضة الدرزية فيجب أن تسميه المعارضة الدرزية، لكن أن يأخذ ختم وليد جنبلاط فأنا ضد هذا الموضوع. لذلك أنا أيدت النائب فيصل الداوود، حتى لا يفسر أحد أن مصالحة طلال مع وليد هي التي أتت به وزيراً، كقصة المقعد الفارغ الذي كان يتركه له (في الانتخابات)، أنا لا أقبلها لطلال... مشكلة المصالحة أنها تعطي طلال ضمن قاعدة وليد، لكن في القاعدة اليزبكية ليس مؤكداً أنها ستعطيه، لأنها قاعدة قائمة على العــداء لوليد بالفطرة". تختلف وجهات النظر، وكلها قابلة للنقاش، تماماً كما معنى "الانتصار" في سياق من هذا النوع. لكن الثابت أن فطرة الطائفة الدرزية ما زالت تصب، عند الأزمات، في خانة "الوجود أولاً".. ويصعب، من دون فهم السمة هذه، رسم ملامح مشهدها السياسي الحالي.