القوات/الهـــــدايــــــــــا

From The Arcs Network
Jump to: navigation, search

<sidebar>

  • إسلاميات
    • محمّد|محمّد
    • منافع الأحجار الكريمة|منافع الأحجار الكريمة
    • Talk:ماشاءالله|العين والحسد
  • سياسة
    • مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو | محمد علي الجوزو
  • إرهاب
    • الجمهوريةالإسلامية|الجمهورية الإسلامية
    • حزب الله|حزب الله
    • حسن نصرالله|حسن نصرالله
    • راغب حرب|راغب حرب
    • السيد محمد علي الحسيني|محمد علي الحسيني
  • مقالات متفرقة
    • Category: مقالات عربية|الفهرس
    • Category:مقالات مميّزة|مقالات عربية مميّزة
    • اميركا|اميركا
    • الفرس|الفرس
    • سيراليون|سيراليون
    • مخابرات|مخابرات
    • مكافحةالإرهاب|مكافحة الإرهاب
    • المحكمة الدولية|المحكمة الدولية
    • الشيطان الأكبر|الشيطان الأكبر
    • يوم القدس|يوم القدس
    • الموساد|الموساد
    • أسلحة|أسلحة
    • الفضيحة|الفضيحة

</sidebar>

  • The Islamic Counterterrorism Institute - المؤسسة الإسلامية لمكافحة الإرهاب

    الهـــــدايــــــــــا‏

    الهـــــدايــــــــــا‏ لي صاحب يتعذّب من الهدايا التي تُهدى اليه. أتكلّم طبعا على الهدايا البسيطة: كتاب، قلم حبر سائل او ناشف لأني لا أعرف الناس الذين يتقبّلون عطايا كبيرة. انا اعرف نفسي - في داخل احاسيسي - اني صبيّ صغير من حارة النصارى في احدى مدننا الساحلية. اعرف ايضا التاريخ الذي حصرنا في هذه الحارة وتقبلت الظلم لعجزي عن ان اقلب التاريخ. واذا قبلت الأزمنة الغابرة مع انها في لحمك يقال انك بليد او عاجز. كيف تكون عاجزًا امام ما مضى؟

    في واقعي وشعوري بقيت من حارة النصارى من الذين كانوا يحيون من جمال ما يُتلى ويُنشد في كنيستهم الكبرى التي ساهم جدي في بنائها. غير ان ظروف أبي مكّنتني من ان ادرس ما استطعت دراسته وجنيت منه القليل القليل وظللت اذًا على شيخوختي الطاعنة فتى ممحوا من حارة النصارى ولم أحزن. في هذا السياق يتعجّب كل من أعرفهم اني لا اعرف قيادة سيارة ولم أقتنِ سيارة. تلك التي أركبها الآن بسبب مسؤوليّتي الحاضرة ليست لي. انها للمؤسسة التي أسعى الى إدارتها او رعايتها كما يقال في لغّتنا.

    الى هذا أعرف ان أحدًا لا يحب الفقر. انا أحسّ انه يحميني لأني لا أخاطر بخلاص نفسي بالخروج منه. رسمت اذًا نفسي في حارة النصارى مع اني أعيش في جبل لبنان حيث تستطيع ان تبقى فقيرًا او ان تتخلّص قليلا او كثيرا منه. لكني لست اريد هذا الخلاص. احبّ أن أستغرق في اللاشيء واحبّ فوق هذا الا يعرفني أحد. وأتعذّب لأني لم أبقَ مجهولا بسبب مما هيّأه الله لي من عمل.

    أحب ان يعرفني الله وأخشى معرفته اياي في واقعي النفسي. ماذا يعمل بهذا الواقع. هذا ما لست اعرفه قبل اليوم الآخر. أتساءل لماذا أكشف لكم هذا بعد ان آليت على نفسي ان أكون موضع نسيان. هل انا نموذج؟ اي هل احب ان يصبح الكثيرون منكم من حارة النسيان على اي دين كانوا؟

    في ما يتبقى لي من أيام او سنين - وحسب سنّة الطبيعة هي قليلةـ أقول لكم متواضعا اني أتمنى أن يصبح كلّ منكم - ولو أمسى غنيا كبيرًا- نسيا منسيا اي الا تكون نفسه على علاقة بالمال ولو كانت جيوبه او حساباته مليئة. كان لي في الغربة صديق كبير مليء جدا كما تقولون اليوم لكنه كان مسكينا بالروح كما يقول متى الانجيلي. ولما كان في بلده من حارة النصارى ايضا، لم يخرج روحيا منها وكان يصر على ان يبذل الكثير من المال خشية ان يحبه. لا تستطيع ان تكون منقبض الكف ومن حارة النصارى في آن واحد.

    ما أتيتكم معلّما وأنا لا أزال أتعلّم. لكني قلت لكم هذا خوفًا مني عليكم. أخشى اذا أردتم ان تربحوا العالم ان تخسروا نفوسكم اي ان تخرجوا من كونكم نسيا منسيا. أعرف كل النظريات التي تدافع عن المال الكثير، المخزون بشغف لأنّه يوهمكم انكم أقوياء ولستم بأقوياء. أخاف ان ترحبوا بوجوده لاعتقادكم انه يزيدكم قوة. وانا لست خبيرا بتوظيفه مع اني مجاز بعلم المحاسبة وأعرف قوّة هذا العدو الممكن ان يتحوّل في جيوبكم أفعى تلسعكم او تلسع الذين تقربونهم اليكم لتحسوا ان لكم عليهم سلطانًا. فاذا تحول فيكم الى سلطان فأنتم آلهة وربكم قال على لسان موسى: "انا هو الرب إلهك الذي أخرجك من مصر، من بلد العبودية لا يكن لك إله سواي" لكنكم لا تسمعون لظنكم ان ما لكم قوة وهو كذلك في هذه الدنيا ولكنه عدوكم اذا سعيتم الى ما هو فوق هذه الدنيا اي الى نفوسكم الطاهرة التي هي وحدها ترى الله.

    هل جعلتم مالكم جزءًا من شخصيتكم او جزءًا من تعاملكم ومن كان حولكم؟ اي هل هو مكوّن لطبيعة العلاقة بينكم وبين الناس ام تعدونه للفقير وحده لتدخلوا في الرحمة التي ينزلها ربكم على المساكين فتنالوا بذلك أجركم فتصبح في ذلك قلوبكم فقيرة الى غير ما تمتلكون اي الى الله المعطي لمن يشاء في سبيل خلاصه؟

    هل تجمعون حولكم الناس لاستجدائكم ام تبددون أموالكم ليرى الله انكم أعطيتم من نعمته عليكم أكان موردكم شرعيا ام لم يكن. ان ما تعطونه يصبح شرعيا ولو كانت الوسائل غير الشرعية مصدره. انتم قرأتم كتبكم وتعلمون ان اموالكم هي مال الله وحده وانها تاليا للجائعين او شبه الجائعين. واذا بددتموها تصبحون متساوين مع الذي أعطيتموه. قبل العطاء أنتم وحيدون. وليس لكم مع الأبرار شركة.

    ولعلّكم تكنزون على الأرض لخوفكم من مرض او مصيبة. و"المحبة تطرح الخوف خارجاً". اذ يبقى ان من أحببتموه يصير الى جانبكم. وحده هذا الحب يقيكم شر نفوسكم المتعبة.

    الأزمة المالية التي حلّت في العالم اليوم كافية لتعلّمكم ان ليس من مصون، ورجائي الى الله الا تصل الى بلدنا او الا تصل بما يهددكم. أنا أصلّي من اجل طمأنينتكم اذ أكره ان تهدد الأزمة أحدًا لكنّها تعلّمنا بالأقل ان أحدًا من الناس غير مضمون بما عنده. لكنكم اذا احببتم كثيرا يزيدكم الله نعمة ورزقًا لتعرفوا انكم مفوضون على ما رُزقتم به. من له مثل هذه النعمة ان يكون مفوضًا من العلي؟ اعطوا يقوَ تفويضكم ولكن اشيعوا ما عندكم ليصير المسكين بدوره مفوّض الله لا ليصبح مفوضا عندكم. انتم تصبحون شيئا ان بذلتم الكثير مما عندكم ولا تبغوا من ذلك شكورا ولا استتباعا. اعرفوا انكم والفقراء معا خلائق هشة او معرضة للعطب في كل حين. اذ ذاك فقط تعلمون انكم قادرون على ان تصبحوا شيئا. تعلّمت مما يقوله كل الناس ان احدًا لا يأخذ معه في الموت شيئًا، غير ان آباءنا النساك علّمونا انه يأخذ في موته ما اعطاه والذين تمنحونهم شيئا يدعون من اجلكم فيسجل الله ليوم الدينونة ما اعطيتموه ربحا لكم.

    انتم تعرفون، بطريقة او بأخرى، ان المال طريق الى السلطة اي الى السلطة على الناس فيما هي خدمة. والسلطة تمارَس سياسة. انا كتبت مرارا في هذه الزاوية ان السلطة مسؤولية اي مسؤولية للخدمة. لا مانع عند الله ان يختزن بعضٌ كثيرا من المال على الا يحسب انه مالكه لأنه فقط مؤتمن عليه. لقد وضع الله في عنق الأثرياء مسؤوليّة الحب. والحب يعطى والا كان كنزًا من الكنوز اي محجوبا. تصرّفوا اذا كالفقراء اي لا تسرفوا في شيء من متاع الدنيا. اما قرأتم: "وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور" (سورة الحديد، الآية 20) وقبلها جاء: "اعلموا ان الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم”. والسؤال الذي توصي به الآيتان هو كيف تتخلصون من الغرور واللعب واللهو والزينة وتقيمون في الحق والمشاركة والمشاركة توزيع إلزامي وفي ذلك وصية او أحكام حسبما ذهب مذهبكم. فاذا اكتفيتم بهذه الدنيا وزخرفها فليس في نفوسكم رحمة وليس لي انا الصبي الفقير من حارة النصارى ان أبحث في مصيركم في اليوم الآخر. هذا لا يعلمه الا ربّكم ولكن منظر السلطان المنفتح يبكيني وأتوجّع عنكم وقلّما تتوجّعون.

    اعطوا ولا ترجوا من أحد شيئا بديلا لتقيموا في مملكة الحق والبرارة التي تنقذكم منذ هذه الدنيا فيكون المعطي بتهليل كالذي يُعطى بتهليل. ليس في المال مشكلة الا اذا انقبض او اشترط صاحبه شيئا على أحد.

    اجعلوا الناس في حنانكم ولندخل جميعا ملكوت الفرح في هذا العالم. والفرح ليس من عمل الناس ولكنه منّة من ربّكم عليكم. ان في بلدنا تجمّعا صغيرا يدعو نفسه "واحة الفرح" وهو يهتمّ بالمعوّقين من الأديان كلّها. لماذا لا يكون الأثرياء بعضهم الى بعض واحة للفرح الذي من مكوّناته العطاء المبرور وفوقه العناية الشخصيّة بكلّ من كان ضريرا او أخرسَ او أصم أو مبتور الأعضاء؟ متى يكون هؤلاء تاجا فوق رؤوسكم لتزول حارة الفقراء وحارة الأغنياء معا من القلوب حتى نصبح جميعا حارة الله او سماءه على الأرض فنصعد اليها منذ الآن اذا امتلأت نفوسنا من حضرة الآخر الذي هو لنا ترجمة لحضرة الله؟

    هل يصير لبنان كلّه واحة الله ليس فيها استعلاء وليس فيها بؤس ويكون ربّكم مستعيرًا الأيدي التي تعطي والأيدي التي تأخذ ويبدو من أعطى ومن أخذ في حالة الشكر لله وحده ويعلن كل واحد ربه سيدا. النفس التي تحب تنتفض من ذاتها من شغف الزينة واللهو واللعب ولا يبقى في ميدان هذه العلاقات غير وجه ربك ذي الجلال والإكرام.

    المطران جورج خضر

    النهار

    08/11/2008